الثلاثاء 13 صفر 1424 هـ الموافق 15 ابريل 2003 أشعر بالهزيمة، شعور عميق بالانكسار والعجز وخيبة الأمل، وأظن أن غالبية الشعب العربي ان لم يكن كله يشاطرني هذا الشعور، وليست المسألة هي سقوط نظام صدام حسين أو هزيمة الجيش العراقي، وانما قصورنا جميعاً كعرب في مواجهة العصر، ولا أدري كم عاصمة عربية يجب أن تسقط حتى نفيق من سباتنا، ونتخلص من أوهام المعجزات التي نحلم بأنها سوف تهزم أعداءنا وتوفر قوتنا وتربي أولادنا. واخشى ما أخشاه أن يتسرب ذلك الشعور الكسيح الى أجيالنا الطالعة، فأطفالنا الذين كانوا في العاشرة أثناء بداية التسعينيات، شاهدوا ببراءة ما حدث في حرب الخليج، وربما لم يفهموها حينذاك الا أن مظاهر الدمار والاذلال ترسخت في وعيهم، أما وقد أصبح هؤلاء الآن في منتصف العشرينيات فإن الأمر يختلف، والنتيجة قد تكون واحدة من اثنتين، فإما أن يستسلموا لقدرية الهزيمة وحتمية الفشل خاصة مع وجود عناصر أخرى تدعم ذلك، واما أن يملأهم الغضب تطرفاً ويدفعهم الى ما يشبه الانتحار أو الانتحار الفعلي. ومصيبة المصائب أنه لا توجد مرجعية محددة أو واضحة للتحليل والتفسير، فالشاب العربي أسير حرب أمام ما تصبه وسائل الاعلام، وحده يبتلع ما يراه ووحده يهضم ما قد يفهمه أو يشعره، وهو لا يرى منذ سنوات سوى مدن وقرى فلسطين المستباحة لكل أنواع الدمار والقتل والتنكيل، ثم ها هو يرى دولة عربية أخرى وقد استبيحت، هو يرى نساء عربيات تصرخ في عدسات الكاميرا دون أن تكون لديه القدرة على الحركة لنجدتها ولو حتى من خلال مظاهرة ينفس من خلالها بعض البخار المحبوس، ناهيك عن اقتصار الندوات والمناقشات على مجموعة متكررة من الصفوة التي استهلكتها الأحداث وتصلبت في قوالب مصمتة لا تتيح لها مسايرة المتغيرات المتتابعة. تلك الأجيال الطالعة هي قيادات المستقبل القريب، وهي شكل مجتمعاتنا ربما حتى نهاية هذا القرن، أنها بذور الأشجار التي ستطعم أجيالاً لاحقة، ومن الخطورة بمكان أن نتركهم نهبة لهذا الشعور القاتل بالعجز والهزيمة، ويجب أن نتحرك قبل فوات الأوان. مدخلات النصر في 9 يونيو 1967، وبعد خطاب عبد الناصر الشهير بالتنحي، كان أول رد فعل تلقائي هو أنني نزعت صورة عبد الناصر المعلقة في جدار غرفتي، لم أنزعها كي أمزقها وانما كي أرفعها في الشوارع ضمن ملايين المصريين والعرب الذين خرجوا كي يعلنوا رفضهم للهزيمة. وبعد قرابة ستة أعوام من ذلك التاريخ كنت ضمن رفاقي نعبر قناة السويس سوياً ونغرس أعلامنا المنتصرة على الضفة الأخرى للقناة. وأتساءل اليوم : لماذا لم أشعر أو أقبل بالهزيمة آنذاك ؟، والاجابة تستحق مقالاً يخصص لذلك، ولكن يمكن أن أقول هنا أن المدخلات التي كونت شخصية جيل الشباب آنذاك هي التي حددت موقفنا من الهزيمة العسكرية وأتاحت لنفس الجيل أن ينتصر بعد حفنة من السنين، وأهم هذه المدخلات كان الوعي العميق بتاريخ الأمة والانتماء المؤكد لحاضرها والتمسك بارادة تغيير مستقبلها، لقد تعلمنا ذلك في البيت والمدرسة والمسجد، رأيناه في ملامح العمال والمهندسين المصريين الذين خلقوا المعجزة في السد العالي ومصانع الحديد والصلب، وفي ملامح جنودنا التي هرعت لمساعدة اخوانهم في اليمن، رأينا ذلك في المسرح والسينما والأغنية والكتاب، ترددت في أسماعنا صرخة ناصر في الأزهر : «سنقاتل. سنقاتل»، رأينا الأنجليز يخرجون من أرضنا مرتين، وعرفنا خلال ذلك كله أن حدودنا تتطابق مع حدود المنطقة العربية من الخليج الى المحيط، وآمنا بأن تاريخنا واحد، وحاضرنا واحد، وكذلك مستقبلنا ومصيرنا واحد. كانت تلك بعض المدخلات وهي ليست قليلة، لكنها نجحت في شطب الهزيمة من قواميسنا، وجعلتنا نستهين بالدم والحياة من أجل العزة والكرامة. ذلك زمن، وهذا زمن، وبين الزمنين مرت مياه كثيرة. من المؤكد أنه من المستحيل احياء الموتى، ولكن ليس من الصعب دفع الحياة في الأحياء، ومن المؤكد أيضاً أن تجارب الماضي لا تقبل دائماً التكرار، ولكن ليس من الصعب استلهام روحها ومواجهة معطيات الواقع بما يساعد في تغيير شكل المستقبل، ومن المؤكد كذلك أن تحديات اليوم تختلف كماً ونوعاً عن كل تحديات الأمس، ولكن ذلك يجب أن يدفعنا الى مضاعفة جهودنا واعداد مجتمعاتنا لمواجهة هذه التحديات. فكر الهزيمة وقد يقول قائل أن «الفأس قد وقعت في الرأس»، وأن الأمل الوحيد هو التعلق بالعربة الأخيرة في القطار الأميركي السريع بدلاً من الانتحار بالرقود على القضبان في محاولة يائسة لايقافه. وهذا القول يتفق مع تلك النظرية السائدة التي يتبناها بعض المفكرين العرب الواقعيين «أو الوقوعيين» ويبشرون بها منذ فترة طويلة، وهي تستند الى مجموعة من العناصر، فهم مثلاً يرون أن الظروف الواقعية للمجتمعات العربية لا تتيح ترف الشعارات المشبعة بالرموز والأحلام والقواعد المعنوية والأخلاقية، فتلك الشعارات «في نظر هؤلاء الوقوعيين» هي السبب الرئيسي في تخلف المجتمعات العربية وهزائمها المتكررة، يرون كذلك أن الرهان الرابح هو الذي يضع كل ما يملكه في كفة أميركا، ويستنكف فكرة التناقض والصراع باعتبارها فكرة بائدة لا تتواجد الا في عقول المتخلفين، ويعتبر أن التاريخ والقيم والكرامة مجرد عملات تذكارية يمكن الاحتفال بها في المناسبات الفلكلورية، وأن «الواقعية » تقتضي «الانبطاح » للواقع والقبول لأننا لا نتحمل ثمن التمرد على هذا الواقع. وفي هذا السياق يسوقون فكرة «التدرج » كبديل عن فكرة «الثورة »، والتدرج في مفهومهم هو محاولة بناء المجتمعات العربية على النموذج الأميركي اعتباراً من «ساندويتش الهامبورجر » الى «التبعية الكاملة » اقتصادياً وسياسياً وفكرياً، فهم لا يرون أي خصوصية أو تميز للمجتمعات العربية، بل ينظرون اليها بازدراء شديد ولا يلقون بالاً لما يسمى بحركة الشعوب أو بقدرتها على التغيير، كما أن نفس الفكرة «التدرج » هي بناء فوقي لنفس السبب، حيث يتم الانتقال من وضع الى آخر خطوة خطوة في اطار نفس البنى الفوقية المؤسسية التي تحرس وتوجه هذه الانتقالات. وربما نسلم معهم بالفعل «أن الفأس قد وقعت في الرأس»، ولكن ذلك ليس قدراً محتوماً لا يمكن تغييره، بل أن هذه الفأس لم تقع سوى في رؤوسهم ويحاولون أن يبسطوا عجزهم على كافة الرؤوس، فالهزيمة ليست تراثاً عربياً يجب أن نحافظ عليه، والتاريخ الذي يحتقرونه يعطينا عشرات الأمثلة على ذلك، والأمم تسقط وتنهض، وفي الحالتين هناك أسباب موضوعية لهذا السقوط وذاك النهوض، ولا يمكن حتى للمراهن الغبي أن يلقي بكل ما يملك في جيب خصمه، واغفال حقيقة التناقض والصراع لا تلغي وجودهما كاحدي حقائق السياسة التي لا يمكن التغاضي عنها. أما التاريخ والقيم والكرامة فلا يمكن أن تكون أبداً عملات تذكارية بل هي كنوز الشعوب التي تغترف منها خاصة في أوقات الأزمات، ومن العجيب أنهم لا يأخذون العبرة حتى من «كبيرهم»، فمن الثابت أن أميركا لا تفتأ عن الجعجعة والصلصلة بالتاريخ الأميركي وبالقيم الأميركية وبالكرامة الأميركية، فكيف يحرمون علينا ما هو حلال لغيرنا ؟!. أما أن الواقعية تقتضي «الانبطاح» للواقع والقبول به لأننا لا نتحمل ثمن التمرد على هذا الواقع، فتلك فكرة غير واقعية وغير منطقية لأنها تتناقض مع حركة التاريخ في الأمس واليوم وغداً، بل هي تتناقض مع الطبيعة البشرية السوية، لأن الانسان في حركته الدائمة يتطلع دائماً الى تغيير الواقع ويعمل كي ينجح في ذلك باستمرار، والانسان «المنبطح» غير موجود سوى في خيالات هؤلاء الواقعيين الجدد الذين يرون الشعوب العربية مجرد جماد أو أشجار واقفة لا تتحرك سوى عند الانحناء للرياح. ولو صحت هذه النظرية لما تحركت البشرية من عصرها الحجري. فالواقعية الحقيقية هي الرصد الواعي لمعطيات الواقع ليس بغرض الاستسلام له وانما بغرض العمل على تغييره وتشكيله بما يتناسب مع مجموعة القيم التي تؤمن بها المجتمعات والمصالح التي تنشد تحقيقها وأهمها العزة والكرامة. ومن الممكن القبول بفكرة التدرج ولكن خارج السياق الذي يريده هؤلاء الوقوعيين، وفي اطار منهج ثوري يستهدف التخلص من التبعية وبناء القدرات الذاتية الكافية لمواجهة التحديات المفروضة والمتوقعة، وهي في ذلك لا يمكن أن تكون بناء فوقياً بل تفاعلاً ايجابياً وخلاقاً بين جميع عناصر المجتمع، يحمل في طياته الايمان بالطاقات الكامنة في الشعوب، واستيعاب علمي لمقتضيات العصر، واستلهام صحيح لحركة التاريخ. هذه ليست دعوة للحرب على الآخرين وانما هي دعوة للتصالح مع النفس واستكشاف قدراتها، انها صيغة للدفاع عن الذات القومية قبل أن يتآكل ما تبقي منها ويتآكل معها وجودنا المعنوي والمادي، وهي ليست مجرد محاولة لرفض الهزيمة وانما اصرار على نفيها مرة أخرى من قواميسنا، ودعوة مخلصة لشبابنا الطالع كي يرفض تراتيل المبشرين بالوقوعية والاستسلام، فالنصر لا يبدأ في ميادين القتال وانما في عقول وأفئدة المؤمنين به والعاملين عليه. ـ كاتب مصري