الثلاثاء 13 صفر 1424 هـ الموافق 15 ابريل 2003 مد الصديق العراقي يده مصافحا في احدى العواصم الغربية التي لقيته فيها أخيرا، وقال لي مبروك، كان ذلك اليوم هو يوم سقوط بغداد وتحررها من النظام القديم، ولقد وجدت أن وجهه ممتقع وحديثه متقطع، فسألته ماذا يضيره وقد انتهى الكابوس الذي كان مدار حديثنا لسنوات طويلة كلما التقينا. قال الصديق أنت تعرف أنني لم أزر العراق منذ غادرته مكرها قبل أكثر من ربع قرن، وقد قررت العام الماضي أن أرى والدتي التي شاخت بعد أن فقدت اثنين من أبنائها، واحدا على الجبهة وواحدا في السجون، قبل أن تبعد بنا الدنيا وقد توفي والدي بالذبحة الصدرية ربما كمدا، ولم يتبق من العائلة الا والدتي وهي المسنة، تعيش على ذكرياتها. وقد قابلتها في دمشق صيف العام الماضي، وبعد أيام قضيتها معها، قالت لي وهي تودعني، ابني أنا لا أريد من الله شيئاً غير أن أعيش لأرى سقوط هذا الظالم، كانت والدتي قد جاوزت الخامسة و الثمانين بأشهر، ولم أكن اعرف أن دعوتها تلك ستجاب بعد هذا العمر، هذا ما يجعلني فرحا وحزينا في الوقت نفسه، ثم اخذ صديقي نفسا عميقا، وقد أخذت بعض قطرات الدمع تتسلل الى عينيه العميقتين، وقال كفانا قتل واقتتال، لقد ارتوت ارض العراق بالدماء! وما جرى يكفي. تذكرت كلام الصديق وقد نشرت صورة لضابط أميركي يعتدل على مكتبه في بغداد المحررة، مجهزا نفسه لعمل لا يعرف احد الآن مداه أو تطوراته، وخلفه لوحة شبه ممزقة عليها بضع كلمات وتبين من الصورة أن كلماتها تقول «اذا حكمتم فاحكموا بالعدل»، وكم هي مصادفة أن تكون هذه الكلمات خلف مكتب ضابط أميركي ربما لا يعرف معناها، فقد انتقى المكتب لسبب آخر غير ما كتب خلفه. الا أن الكلمات لها معناها العميق، العدل، ولعل أكثر ما افتقده نظام البعث في بغداد هو العدل، الذي كان غير موجود في الحياة العملية للحكم على أي صعيد، وعندما يكتب تاريخ الحكم العراقي بتفاصيله وتظهر الصور والظلال من حوله سيكون فقدان العدل هو أول وآخر كلمة في سياق توصيفه. التحدي القادم لقد أثخن الجسم الشعبي العراقي بالجروح بسبب غياب فادح لتك الكلمة في قاموسه على مدى سنوات طويلة وابتعدت الممارسة سنة بعد سنة، فضاعت حقوق الناس وتحولوا الى أرقام فقط في أضابير المخابرات وبين وجبات القتل و التنكيل. ولم يستطع لا العرب و لا غيرهم أن يقولوا لهذا النظام اتق الله، لقد داهن كثيرون خوفا من الجلاد، أو رجاء في ذهبه، و لم يستطع احد من خاصة النظام أن يرفع صوته ولو بكلمة واحدة تشير الى الطبيعة الفاجرة في التحكم بالناس و الموارد، بل أصبح شكل الحكم ذاك مثالا يرتجيه البعض ويضرب مثلا في السطوة و التحكم في الآخرين. لقد ذهب على طريق الاغتيال و الشنق آلاف من العراقيين داخل العراق و خارجه، رجال دين أتقياء، ونساء عفيفات، وضباط فخورون بوطنيتهم، وطلبة أبرياء على مقاعد الدراسة، كلهم ساروا على درب واحد هو درب التصفية، تناولهم جلاوزة النظام الى أن أزهقت أرواحهم على منصات الاعدام، أما من فرّ بجلده فقد عاش مطاردا خائفا يتوجس الشر في زاوية وينتظر المصير المظلم في أي وقت. التحدي الحقيقي للحكم العراقي القادم هو اقامة مجتمع الدولة ذات القوانين الحديثة و القائمة على العدل وطريقها هو الاعتراف بالآخر، فلا يستطيع فريق عراقي تحت أي شعار الآن أن يختطف الدولة بمؤسساتها، ويقرر ما هو أفضل للعراقيين من وجهة نظره الخاصة، فالعراق فيه تجمعات عرقية وفئوية وطائفية ودينية متعددة، والحل الأمثل له أن يتعايش هؤلاء تحت مظلة وطنية واحدة للفرد حق الجماعة، ولا توجد وسيلة مثلى لتحقيق ذلك غير صناديق الانتخاب، تحت غطاء دستور واضح النصوص بين الركائز ومحدد الأهداف، ومؤسسات سياسية تحمل برامج الاندماج لا التنافر. اذا كان العراقيون قد أرغموا في وَقت ما على الرضوخ للنظام البعثي، الذي تحول الى عشائري ثم عائلي، فقد تم ذلك لأنهم تساهلوا مع القضايا الصغيرة ثم جرّ ذلك للتساهل مع القضايا الأكبر، حتى وقع الوطن في قبضة عصابة، لذا فان عدم التساهل المدني اليوم هو المطلوب، بمعنى الاصرار على دستور حديث يتساوى فيه المواطنون في الحقوق والواجبات تحت حكم القانون، ومؤسسات قانونية مستقلة وذات مرجعية حديثة، وشفافية في ادارة مصادر ثروة الدولة الهائلة، وتوظيفها لاشباع حاجات الناس في التعليم و التطبيب والاسكان، وخلق فرص العمل، وتفضيل الأداء على الولاء في مؤسسات الدولة المختلفة. هذه القضايا هي أصعب بكثير من عملية تحرير العراق على صعوبتها الاقليمية والدولية، ولكن من دونها يمكن أن ترجع العراق الى الخلف ولا تتقدم الي الأمام. المرجعية الاميركية! لعل قضيتين تبرزان في العاجل من أجنده القوى السياسية العراقية على اختلاف طيفها السياسي، الأولى هي قيمة التسامح، وهي قيمة افتقدتها لفترة الحياة السياسية العراقية، كما أنها قيمة تحتاج الى تضحية، فقد فرق نظام البعث العراقي بين المواطنين، والتحدي هو اعادة اللحمة للشعب العراقي، وقد آلم كل محبي شعب العراق الاغتيال الذي تم في الأسبوع الماضي في مرقد الأمام علي كرم الله وجهه، عندما اغتيل عنوة السيد عبد المجيد الخوئي، ومُثل بجسده، وهو الرجل الذي بنى مؤسسة أهلية بالغة الأهمية في لندن، ضمت تحت جناحها عددا من أهل العراق، وغيرهم في مؤسسات التعليم والخدمة العامة بتسامح جم وبتواضع ملحوظ، وكان اغتياله في الأيام الأولى من التحرير نذير شؤم لا يقره احد، ولا يجب أن يقبل في العراق الجديد، ودون وضع حد واضح بين الاختلاف السياسي و الاغتيال، سيظل العراق منكوبا بممارسات بعض أبنائه معرضا للشقاق. أما القضية الثانية فهي الدور الأميركي في تحرير العراق، وهو أمر يجب أن يؤخذ مأخذ الجد والمسئولية، فلولا التدخل الأميركي النشط لما استطاع شعب العراق بمجمله التعبير الحر عن نفسه، وبالتالي فان المرجعية الأميركية في المدى القصير يجب الاعتراف بها وعدم المزايدة عليها، لان المزايدة في هذه المرحلة تقصم ظهر العراق بكل تأكيد وتدخله في متاهات قد تطول وتنتهي بخسارة الجميع. لقد أعلنت القيادة الأميركية أن العراق يجب أن يحكم من العراقيين، والاستعجال في ذلك عن طريق اطلاق شعارات مضادة لمن ساعد في التحرير، وقبل أن تنضج أمور الداخل، هي مزايدة دفع العرب في أماكن أخرى أثمانا باهظة من حرية أوطانهم لها. ولذا فقد وجب على العراقيين من أهل الحكمة تناول هذا الأمر بمسئولية وطنية هدفها بناء عراق جديد حر ومتآخ وتنموي لصالح الجماهير العريضة من الاخوة العراقيين الذين قاسوا بما فيه الكفاية في العقود القليلة الماضية. ـ كاتب كويتي