الثلاثاء 13 صفر 1424 هـ الموافق 15 ابريل 2003 في رائعته الشعرية عن «مصرع كليوباترا» قال امير الشعراء احمد شوقي على لسان احد شخوص المسرحية عدة ابيات عبقرية. ولكي نفهم تلك الابيات لابد ان نلم بالمشهد المسرحي الذي قيلت فيه.. فالمسرحية تتناول الايام الاخيرة في حياة الملكة كليوباترا بين أحد المواقع البحرية التي هزم فيها اسطولها وانتصر اسطول روما. وفي مكتبة قصر الملكة كان يجلس اثنان من موظفي المكتبة وهما يسمعان العامة خارج القصر وهم يهتفون مرحبين بغزاة قصر الرومان.. وهذان الموظفان هما حابى وديون.. فيقول حابى لزميله: إسمعِ الشعبَ دُيُونُ كيف يُوحُون إليهِ ملأ الجوَّ هتافاً بحياتيْ قاتليْهِ أثّر البهتان فيه وانطلى الزور عليهِ يا له من ببّغاءٍ عقْلُهُ في أذنيهِ فيرد عليه ديون قائلاً: حابى سمعتُ كما سمعت وَرَاعَني أن الرَّمِيَّةَ تحتفي بالرامي ويعبر ديون عن حزنه اذ ان الغازي المعتدي «يمشي على تاريخ الشعب مستهزئا» به ويرثي ديون لهذا الشعب الطيب في هذين البيتين اللذين يختتم بهما حوارا طويلا بينهما: فَضَجَّ الناس بالبُشرى وكدّوا حناجرَهم هتافاً او دعاء هداك الله من شعب بريءٍ يُصَرِّفُه المضلِّلُ كيف شاء وكان شوقي يعني بقاتليْ الشعب والوطن المصريين كليوباترا البطلمية ومارك انطونيو القائد الروماني. ولقد ظلت هذه الابيات تقفز الى خاطري حول مأساة مصر على يدي الملكة التي تنتمي الى البطالمة ومع ذلك يصر البعض على نسبها للمصريين، والقائد الروماني الذي وقعت في غرامه.. تذكرت قول الشاعر الكبير أحمد شوقي في مسرحيته وانا اشاهد بعض العراقيين الذين كانوا يهتفون بالامس لصدام حسين ويبذلون الوعود السخية بافتدائه بالروح والدم، بل ان بعضهم كان يهجم على يده ليقبلها في مشهد عبودية سخيف وذليل لا يقبله اي عربي حر. وما لبثت الصورة ان انقلبت بعد ساعات فاذا بنفس الاشخاص يصفقون لجنود الاحتلال الجديد ويتفرجون عليهم وهم يهدمون تماثيل نفس الرجل الذي قبلوا يديه من قبل، ثم ما يلبثون ان يهجموا على التماثيل والصور قذفا بالحجارة والاحذية... عندئذ ظلت ابيات شوقي تطن في أذني وسؤال كبير يلح على خاطري: كيف بالله يهتفون بحياتي قاتليهم الاميركيين والانجليز؟ اليسوا مخدوعين فعلا بالدعاية الاستعمارية المضلّلة التي ملأت آذانهم؟ كيف يفرحون باستبدال طاغية بطغاة اعتى واشد نكراً؟ هل صحيح ما اصدره شوقي من حكم قاطع بأن الشعوب تفكر احيانا بآذانها وما تسمعه من زيف؟! وبعد مرور عشرات السنين على مسرحية شوقي وآلاف الاعوام على احتلال الرومان لمصر، وبعد التقدم التكنولوجي الهائل في وسائل الاتصال واجهزة الاعلام الحديثة... هل يصح ان نردد مع شوقي: يا له من ببغاء عقله في أذنيه قد يؤمن البعض منا بذلك، ولكنني اختلف معهم فان من رأيناهم على شاشات التلفزيون هم قلة ممن انبروا ليعيثوا فسادا ويُعْملوا السرقة والنهب العشوائي. وفي يقيني ان هؤلاء هم القلة من الغوغاء التي دفعتها قوات الاحتلال وشجعتها على النهب والسرقة واظهار الفرح الزائف بمقدمهم غير الميمون، واهتم عسكر الاحتلال فقط بحماية وزارة النفط العراقية ومؤسساتها في كل المدن واقول جازما ان هذه القلة لا تمثل الشعب العراقي الحقيقي الذي سُجن في بيوته او ما تبقى من حطام البيوت. واكبر دليل على ذلك ما ذكره عشرات المثقفين العراقيين ومن بينهم ما ذكره بيان لاساتذة جامعة الموصل وما ذكره المحامي العراقي المعارض محمد الشيخلي في حديثه لقناة الجزيرة في بغداد، وهو شاهد عيان على ما يجري الآن في شوارع العاصمة العراقية، فهذا الرجل الشريف معارض لم يهرب من وطنه ولم يبع نفسه في لندن او واشنطن، وبقي مع آلاف المعارضين العراقيين الشرفاء الذين ظلوا هم واسرهم يعانون معاناة شديدة على يد النظام العراقي ولكنهم تشبثوا بالبقاء في الوطن لا يخونون ولا يبيعون، ولا يطلقون حناجرهم بالهتاف لأحد، ولا ينحنون ليقبلوا يد حاكم. وقد يستطيع المغول الجدد احتلال عقول العرب بافلامهم ودعايتهم، وقد يحتلون امعاء ابنائنا بوجباتهم السريعة المهلكة، ولكنهم ابدا لن يستطيعوا احتلال قلوب العرب والمسلمين مهما فعلوا.