الثلاثاء 13 صفر 1424 هـ الموافق 15 ابريل 2003 يغفل الكثير منا وسط خضم هذه الأحداث عما جاء في القرآن الكريم من عبر ليست محدودة لفئة معينة من البشر .. ولا بزمان أو مكان، بل الاستفادة مفتوحة لمن أراد ذلك، وقد استوقفني ما ورد في قصة نبينا يوسف عليه السلام في تأويل رؤيا الملك والتي فسّرها بأن مصر سيمر عليها سبع سنوات مخصبة تجود فيها الأرض بالغلات وعلى المصريين ألا يسرفوا في هذه السنوات السبع لأن وراءها سبع سنوات مجدبة سيأكل فيها الشعب ما خزنوه ، ولكي تخزن الغلال لابد و أن تترك في سنابلها كي لا تفسد ولا يصيبها السوس او يؤثر عليها الجو،لأنه لو حدثت المجاعة لا يستبعد من الشعوب أن تمزق بعضها، لذا اخذ سيدنا يوسف على عاتقه تأمين ما يكفيهم في تلك السنوات المجدبة. وهذه الحقيقة القرآنية لابد أن نستفيد منها في وطننا العربي إذ أن ما مرّ به من أزمات في العشر سنوات الأخيرة لم يكن وضعا خاصا بالكويت أو العراق فقط، بل بنا جميعا بدليل تدهور الوضع الاقتصادي لبعض الدول في الخليج وتراجعه عن صورته بسبب ما كبّدتهم إياه الحرب، وما أريد أن أذكره هنا أن السنوات التي نعيشها كدول عربية سنوات خصبة يتوافر فيها الكثير من وراء هذا النفط الذي قد يكون نقمة علينا إن طال اعتمادنا عليه، ويجدر بنا في هذا الوقت الحرج أن نلتفت للوصية التي أوصى بها سيدنا يوسف اهل مصر إذ استجابوا لها فتركوا الغلات في سنابلها، خاصة بعد سقوط قوة عربية معتدة بسلاحها وجيشها كالعراق فيبقى هذا النفط خلال هذه السنوات في آباره لنبحث عن مصادر أخرى بديلة يقوم عليها اقتصادنا بدل استنفاده، كما يجدر بنا ان نستثمر هذه الأموال التي درّها علينا في استحداث مصادر أخرى بديلة كالاستثمار والاقتصاد والسياحة، فنكون بذلك قد تعلمنا شيئا مما مضى، ونكون في الوقت نفسه قد اختزلنا لسنواتنا القادمة ثروة، إذ لا يعلم أي منا المصير الذي سنلقاه بعد هذا العام وإلى أي شيء ستؤول إليه أحوالنا. وليسمح لي القارئ بأن أخصص من مساحة هذا المقال جزءا يمتد فيه خيالي العربي حول أمور ليست بالضرورة حدوثها ولكنها خيال في خيال، وهي ماذا سيحدث فيما لو أن الإدارة الأميركية الجديدة في العراق قدّرت بأن العراق بعد الحرب تكبد خسائر كثيرة ويحتاج المال لإعادة البناء والتعمير، وهذا سيكون سببا وجيها ستلجأ إليه الإدارة الجديدة ومبررا لخروج العراق من منظمة الأوبك لعدم قدرتها على الالتزام بالحصص التي يلتزم بها الآخرون إذ أنها بلد متضرر يحق لها ان توجد المال الذي تدير به الحياة الجديدة، وهذا المال هو المموّل الأكبر لهم من حقول النفط في أراضيها، وبهذه الحجة ستنزل نفطها في الاسواق بسعر قد يقل عن سعر الأوبك، فإذا كان سعر البرميل اليوم 26 دولارا فقد يكون فيما بعد 6 دولارات، وحينها سيزداد العرض على الطلب، وبذلك ستتضرر البلدان التي تعتمد في اقتصادها على النفط اعتمادا تاما، فبدل أن يكون دخلها 5 مليارات على سبيل المثال سيتناقص إلى أربع أصفار نحو اليسار، ولك عزيزي القارئ أن تتخيل نهاية هذه القصة التراجيدية والتي إن لم نستفد من مقدمتها لأعوام قادمة سنبكي فيها على الكثير الذي أضعناه في هذه السنوات. أتمنى عزيزي القارئ الا تكون نهاية هذه التراجيديا مشابهة للابتلاء الذي عاشته إخوة يوسف حينما جعل مقايضتهم مشروطة بعودة أخيهم لأننا إن شرطنا بشيء فيما بعد لن نشرط إلا بهلاكنا، فهل سنظل ننتظر الوقت الذي نسترد فيه خيراتنا من غيرنا و بأضعاف مضاعفة، ام أننا سنبحث عن بديل عن هذا النفط الذي جعلنا محط أطماع الكثير ؟!.