الاثنين 12 صفر 1424 هـ الموافق 14 ابريل 2003 بلاشك فإن جميع الناس يتابعون المشهد العراقي على امتداد الأربع وعشرين ساعة، وتحديداً (ناس) العالم العربي، وبالتأكيد فإن هذا المشهد بكل بشاعته وقسوته يطرح عليهم كثيراً من الاسئلة، ويضعهم في خانات ضيقة جداً تلوح فوق رؤوسهم علامات استفهام وملامح خوف من الآتي الذي يصور لهم اعلامياً وسياسياً بأنه أشد سوءاً من كل ما سبقه! أصبح واضحاً أن الأميركيين قد أوصلوا رسالتهم للجميع: للأفراد العاديين البسطاء، وللنخب السياسية والمثقفة، الرسالة التي لخصها الرئيس الأميركي جورج بوش في احدى المقابلات التلفزيونية ـ وجاءت في كتاب بوب وود وورد الأخير «حرب بوش» ـ يقول بوش: «اعتقد الناس طويلاً بأننا حينما نتعرض لضربة ما لا نستطيع أن نرد الصاع صاعين.. كنت أخشى أن تكون الولايات المتحدة قد فقدت تفوقها العسكري على الآخرين لأنها أهملت استخدامه طويلاً.. مهمتي هي التأكد من أن السيف حديد وحاد في كل الأوقات». اليوم و(ناس) الوطن العربي ما زالوا يلملمون جرح بغداد الكبير، ويشربون دموعهم التي ما توقفت منذ سل (بوش) سيفه الحديد على العراق فجر العشرين من شهر مارس، اليوم يسأل هؤلاء الناس: على من سيسل السيف الأميركي في الأيام المقبلة؟ والمصيبة ان هذا السؤال وغيره من الأسئلة يظل مترنحاً في الفضاء بلا اجابة، لأن مالكي الإجابات ختموا أفواههم بالشمع الأحمر، وأغلقوا بوابات الرعب على أنفسهم حتى تنتهي العراق، وبعد ذلك ينظرون في الأمر على طريقة امريء القيس: اليوم خمر وغداً أمر!! درس بغداد قاس جداً، وكربلاء العراق المشرع على الأعاصير والمجهول تفجر القلوب بالقهر، والرؤوس بالرصاص، فحتى في الخيال والأحلام ما كان أحد يتوقع أن يسحق العراق في ثلاثة أسابيع فقط!! حتى وإن كان الساحق الماحق هي القوة العظمى صاحبة أضخم وأقوى ترسانة أسلحة في العالم.. وبعد ذلك ينهب ويسرق ويحرق وتصبح ذاكرته وحضارته بين أيدي الرعاع واللصوص يبيعونها على الطرقات لتجار التحف المسروقة والمخطوطات النادرة! عهد لويس الرابع عشر، أسوأ ملوك فرنسا في القرن الثامن عشر، قرن الظلام والملكية الفاسدة في فرنسا، كان يتحرك على ركام الفساد وجماجم السجناء ومآسي جياع فرنسا تحت لافتة: «أنا الدولة، والدولة أنا»، ولأنه الدولة فقد أسكت الجميع، وما من أحد كان باستطاعته أن يشير للخطأ أو ينبه للكوارث التي تتوالى على فرنسا جراء هذه السياسة الكارثية. في تاريخنا حكام وصل بهم تضخم الأنا وجنون العظمة أن يقول أحدهم وكان يحمل لقب (أمير المؤمنين) من قال لي بعد ذلك اتق الله قطعت عنقه!! فلا نجد فرقاً بينه وبين لويس الرابع عشر الذي انتهت سلالته إلى المقصلة عندما ثار جياع فرنسا ومثقفوها ضد الطغيان والحروب وخواء الخزينة بسبب ترف الملوك، كان ذلك في العام 1789، العام الذي سقط فيه سجن الباستيل، وأعدم لويس السادس عشر وماري انطوانيت صاحبة عنجهية البسكويت، وأحرقت باريس وتحولت قصورها الى خرائب.. تماماً كما آل إليه أمر بغداد اليوم!! عهد لويس الرابع عشر وأبناؤه، مؤرخ قبل ثلاثة قرون، نحن اليوم نعيد انتاج صور أخرى لهذا الملك المعتوه بداء الأنا وجنون العظمة، نوزعهم في المدن العربية، ننصب لهم التماثيل، نرتجف رعباً حين نمر بجانب أصنامهم، ننزلق في الخوف والاستلاب، وفقدان الدور التغييري، وفقدان الانسانية، نتحول الى عُبَّاد أصنام، نهتف بالروح والدم، وبعد لحظات من سقوط الصنم ندوس عليه بالأقدام.. فالويل لأمة تعبد جلاديها وتهتف لهم، وبعد لحظات من سقوطهم تدوسهم وتضربهم بالأحذية! كل الأسئلة اجاباتها في الآية الخالدة: (ان اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).