الاثنين 12 صفر 1424 هـ الموافق 14 ابريل 2003 «أبوالجهود» قرية أو بلدة صغيرة تقع قرب الزقازيق شرقي دلتا نهر النيل.. ربما لم يسمع بها أحد من قبل لكن ها هو الدكتور هاشم رشوان وهو أستاذ بجامعة قناة السويس يكتب عنها سطورا في رسالة بعث بها مؤخراً الى احدى الصحف القاهرية.. يحكي الأستاذ الجامعي عن فتى من معارفه أو أقربائه كان بصدد الزواج وقد دعاه لمشاركته مع أصدقائه حفل الزفاف.. وعندما التأم عقد المدعوين فوجئوا بالعريس المصري ـ الشرقاوي كما قد نسميه يقف أمام الميكروفون.. كمن يتهيأ لالقاء خطاب.. تصوروا أن الفتى سوف يزجي الشكر الى من شاركوه الفرحة في ليلة العمر.. لكن المفاجأة الحقيقية كانت حين انطلقت الكلمات من فم الفتى كأنها وابل من حمم يقول: أيها الأخوة.. يعز علينا أن نكون هنا بينما يتعرض اخواننا في العراق الشقيق الى هجمة عدوانية غادرة.. واذ نشعر بالأسى العميق ازاء معاناة أشقائنا في كل أنحاء العراق فاننا نعرف أن جرحنا العراقي سيظل نازفا وان هذا العدوان لن يمضي بغير ثمن أو عقاب.. ألخ.. و.. هكذا تحول الحفل الريفي المتواضع الى مهرجان وطني وقومي وديني سرت روحه مثل جذوة متقدة وفي عفوية مفاجئة في أوصال بلدة شبه مجهولة في شرقي الدلتا من نهر النيل. تذكرنا قصة «أبوالجهود» في مجلس ضم جمعا من المثقفين.. تجمعت الدموع في مآقي أستاذة عراقية تعيش منذ سنوات في القاهرة.. ومن جانبها روت حكاية عم «فتح الله» بائع الفاكهة الذي تعودت أن تزور حانوته المتواضع بين يوم وآخر لتشتري بعض ما تحتاج. ذات صباح فوجئت بدقات مترددة على بابها واذا بالكهل القاهري عند الباب يكاد ينوء بحمل من ثمار الفاكهة المتنوعة.. لم تكن قد طلبت شيئا.. بل جاءها عم فتح الله بهدية قدمها على استحياء يقول: يا ست هانم.. عشت عندكم في العراق سنوات.. وهذا جزء من خيركم وجميلكم ونحن نشارككم المحنة.. وأرجو أن تقبليه من العبد الفقير.. و.. سلامو عليكم وقبل أن تقول العراقية شيئا.. مضى الرجل الى حال سبيله. هؤلاء قوم بسطاء ولكنهم صادقون.. من قلوبهم الطيبة ينبع عفويا وجليلا ونبيلا في آن.. هل أحكي لك عن مواطن يسكن في الطابق الثالث في احدى بنايات حي المهندسين بالقاهرة فوجئ جيرانه بأنه رفع على باب شقته لافتة سوداء كتب عليها عبارة تقول: لا للعدوان الآثم على أهل العراق. لسنا نعرف ـ عَلِمَ الله ـ اسم هذا المواطن ولا مهنته.. حسبنا هذه المعلومة التي حكاها جيرانه وهم من أهلنا الأقربين. أم أقص على مسمعك حكاية الميكروباص وسيلة النقل المتواضعة في شوارع القاهرة حيث اعتاد الركاب أن يصعدوا الى متنها وفي جعبة بعضهم شريط كاسيت يعطونه للسائق الذي يضعه بدوره في مسجِّل السيارة بعدها ينطلق الصوت لزوم تسلية سائر الراكبين.. وكل واحد وبخته.. فقد يكون شريطا لمطرب معروف أو مطربة تتوهم أنها تجيد الطرب أو لواعظ يقول كلاما مفيدا أو لغوا.. منذ أيام صعد الراكب الهمام الى الميكروباص وناول السائق شريطا وضعه في المسجل فانطلق صوت احدى المطربات سرعان ما أربدت أسارير السّواق وتمتم ما معناه: سبحان الله.. هل هذا وقته.. وسرعان ما انتزع الشريط وناوله لصاحبه.. ثم امتدت أنامل السائق الى الخزانة الصغيرة (التابلون كما يسمونها) وألقمت المسجل شريطا جديدا.. وما هي الا لحظات اضاء بعدها صوت أم كلثوم أرجاء السيارة يهتف كأنما في سمع الزمن: بغداد يا قلعة الأسود يا كعبة المجد والخلود يا جبهة الشمس للوجود قال الراوي: ولمحت بعدها سحائب من دموع في مآقي النساء والرجال.. على السواء. ثم انقل اليك وقائع دارت في أحدث امتحان عقدوه لاختيار مذيعين مطلوبين للعمل في الخدمات المختلفة في منظومة الاعلام المصري. يروي شاهد عيان ومشارك أيضا في لجنة اختبارات المذيعين التي تقدم أمامها المئات من شباب الجنسين ممن يتطلعون الى أن ينالوا لقب مذيع أو مذيعة.. دع عنك أن تصبح أسماؤهم وأصواتهم (في الراديو) أو صورهم سحناتهم (في التليفزيون) معروفة لجماهير المستمعين أو المشاهدين.. هذه الأفواج من خريجي الجامعات أصابت أعضاء لجنة الامتحانات بقدر ليس بالهين ولا باليسير من.. خيبة الأمل للأسف الشديد.. نعم.. اكتشف الممتحنون كيف أن جمهرة شباب الوطن كانت عاطلة من الزاد الثقافي ومن القدر المعرفي المطلوب توافره في مشروع انسان اعلامي أو كائن مرشح يكون من أهل الميديا اليعربية في زماننا.. الميمون! وقبل أن يستبد اليأس بنفوس لجنة الامتحان برقت في خواطرهم فكرة اقتراح هو ـ بالمناسبة ـ من مستلزمات رجل الاعلام.. وبلوروا هذه الفكرة في سؤال طرحوه على الشباب المتقدمين للامتحان: ـ هل تستطيع ـ أو تستطيعين ـ ارتجال عبارات ومعان وطروحات؟ أرجوك أن تتصور ـ أو تتصوري ـ موقفا من المواقف المؤثرة.. وأن المطلوب هو الارتجال.. فكيف يكون التصرف.. هنالك انفتحت آفاق لم تكن في الحسبان فوجئ الممتحنون بالشباب.. (أو الشابات) وقد انطلقوا بل اندمجوا في حالة ارتجالية اختاروا فيها ـ تلقائيا وبغير سابق اتفاق ـ موقفا واحدا هو: الحرب العدوانية على شعبنا في العراق وبعدها.. كادت استديوهات الاختبار تدوي بانفعال شبابي تجسّد في خطاب متقد الحماس موجه الى «جماهير أمتنا من الخليج الى المحيط».. كي تهب من غفوتها وكي تتفهم أبعاد المأساة التي تعيشها شعوبنا وكي تعيد اللحمة الى انتمائها القومي وكي تدرك أن قوتها في وحدتها وأن هوانها في التشرذم والتشتت وفي التجزئة وأن سبيلها الى استعادة كرامتها الجريحة تبدأ بجمع الشتات والمضي معا في مسيرة العلم والاستنارة والتكنولوجيا. وأن جرح العراق لابد أن يظل وقودا يدفع هذه المسيرة.. الخ.. الخ. و.. هكذا تكلم الشباب وربما عادت بعض الثقة في نفوس الممتحنين.. نقول ربما