الاثنين 12 صفر 1424 هـ الموافق 14 ابريل 2003 أظن ان اي مواطن عربي كان في عام 1970 في العشرين من العمر او اكثر، يذكر حتى هذه اللحظة اين كان بالضبط في اية ساعة عندما سمع نبأ وفاة جمال عبدالناصر في يوم 28 سبتمبر من ذلك العام. وبالاضافة الى هول الفادحة كان رحيل عبدالناصر، كما اثبتت السنوات اللاحقة، نكبة كبرى على الامة العربية. الآن، ارى اننا منينا بنكبة مماثلة سيكون لها ما بعدها، ابتداء من اليوم التاسع من ابريل 2003 ـ يوم سقوط بغداد في ايدي القوات الاميركية الغازية. وكلا النكبتين تنضمان الى نكبة 1967 التي لم تتغير النتائج السالبة الكارثية التي خلفتها الا قليلاً: فالاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية والجولان لايزال ماثلاً حتى اليوم بعد مرور 36 عاماً. وحتى شبه جزيرة سيناء التي تحررت بموجب اول معاهدة سلام عربية مع اسرائيل، تحولت الى منطقة منزوعة السلاح بموجب تلك المعاهدة. النكبة الراهنة ادهى وامر مما تبدو عليه ظاهرياً في هذه اللحظات الاولى. فلم تسقط بغداد وحدها.. ولم يسقط النظام البعثي وحده. ولم يسقط العراق وحده. لقد سقطنا جميعاً كأمة بشعوبها وانظمتها. هكذا سيسجل التاريخ التداعيات اللاحقة لهذه النكبة كما سجل من قبل تداعيات عام 67 وعام 70. ها هي قوة اجنبية تقتحم دولة عربية شقيقة بهدف احتلالها واخضاعها لادارة استعمارية بمرأى ومسمع من 21 دولة عربية اخرى وما يقارب 300 مليون عربي، ولا تفسير لذلك سوى اننا كشعوب فقدنا الحد الادنى من الشعور بالانتماء سواء على المستوى الوطني او القومي او الديني. ولا اقول ان هذه حالة جديدة. لكن اقول ان فصول الكارثة منذ ان بدأ التحرش الاميركي بالعراق وبات ثابتاً ان عملية الغزو آتية لا ريب فيها، كشفت عيوبنا بصورة اوضح اكثر من اي وقت مضى. اجل لقد خرجت مظاهرات متعددة في عواصم عربية. لكن التظاهر كان نهاية المطاف. وحتى في هذا المجال كان الشارع في اوروبا والولايات المتحدة من ناحية وفي شرق اسيا، وغربها، اشد عنفواناً من الشارع العربي. وكانت ايضاً اميز تنظيماً واقوى رسالة. في الغرب نظمت المظاهرات انطلاقاً من اجندة اممية لمناهضة العولمة الرأسمالية وكبح جماح النزعة الامبريالية للطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة ومن ورائها سلطان التجمع العسكري الصناعي الذي يعتمد في انتعاشه على اصطناع الحروب والتوترات. وفي شرق آسيا وغربها حيث كانت مظاهرات مليونية في اندونيسيا وماليزيا وباكستان، كان الاحتجاج ينطلق من مشاعر غيرة اسلامية مما اثبت ان الوجدان الديني بين تلك الشعوب اقوى منه بين شعوب الامة العربية ـ مهد الرسالات والانبياء. نحن اذن شعوب تعاني من البؤس الايديولوجي، فلا تحركنا دعوات مناهضة الظلم الاممي السائد في عالم اليوم ولا مشاعر التضامن الاسلامي. ووهن الشارع العربي هو من وهن منظماتنا الشعبية المدنية، ام ان العكس هو الصحيح؟ لا فرق.. لأن النتيجة النهائية واحدة، فقد ثبت ان الاحزاب وسائر المنظمات السياسية والتنظيمات النقابية ليست اكثر من مجرد اسماء. وعندما وطدت ادارة بوش العزم على ضرب العراق الشقيق فإنها لم تكن تراهن على قوتها العسكرية فحسب، لقد كانت تراهن ايضاً على سلبية رد الفعل العربي بشقيه الرسمي والشعبي. على المستوى الرسمي كانت تقديرات الشخصيات الاميركية المتحمسة لشن الحرب على العراق من امثال دونالد رامسفيلد ومساعده بول فولفتز، مبنية على اساس ان مواقف النظام الرسمي العربي تتراوح بين التعاون واللامبالاة. وعلى المستوى الشعبي بنيت التقديرات على اساس انه سوف تكون هناك فورة في الشارع العربي سرعان ما تتبخر. وللاسف فإن ما جرى على صعيد الواقع اثبت صحة هذه التقديرات على المستويين. ومما لا شك فيه ان رجال ادارة بوش يقومون حالياً باجراء تقييم شامل لمغامرة غزو العراق، وتداعياتها الشاملة على الصعيد العربي، واياً تكن الاستخلاصات فإن النجاح الذي احرز لابد ان يغري بمغامرات مستقبلية. وربما يكون في هذا تفسير للتهديدات الاولية التي تصدر الآن تباعاً عن ادارة بوش الى سوريا. ومن ناحية اخرى فإن هذا النجاح سوف ينعكس ايضاً على مسار قضية الشعب الفلسطيني. والاستنتاج ليس عسيراً وكيفية التعامل معها اسرائيلياً واميركياً. فالعنف الاسرائيلي سوف يتضاعف كما ويتصاعد نوعياً على طريق الابادة الشاملة مع بقاء مراهنات رامسفيلد وفولفتز سارية الصلاحية على الصعيد العربي. «ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».