الاثنين 12 صفر 1424 هـ الموافق 14 ابريل 2003 هل كتب علينا الخيار المخزي نحن العرب ما بين قبول الاستعمار أو قبول الاستبداد؟ وكلاهما شر مطلق. هل ليس أمام مصائرنا العربية خيار ثالث ممكن وهو خيار الحداثة والحكم الصالح ودولة القانون والمؤسسات مثل بقية بني البشر؟ فالمفروض اليوم على أحد شعوبنا العربية في العراق الشقيق هو الاختيار بين البقاء تحت نظام استبدادي أو البقاء تحت نظام استعماري مباشر نفقت سوقه في العالم بأسره منذ الخمسينيات وغابت شمس الامبراطوريات الاستعمارية عن الشعوب المستضعفة الى غير رجعة.. ما عدا نحن العرب، فالاستعمار الصهيوني الاستيطاني لايزال في أوج جبروته في فلسطين الشهيدة البطلة وهو سينشر راياته الاميركية والبريطانية كذلك على منائر بغداد! وبغداد مهما كان النظام المتحكم فيها منذ ثلاثة عقود وهو زائل بأية طريقة من الطرق، وبغداد باقية صامدة شامخة.. فهي العاصمة الحضارية التي قال عنها رومانو برودي رئيس المفوضية للاتحاد الأوروبي حين زار تونس الاسبوع الماضي.. إنها أم حضارتنا نحن في الغرب ايضا، لأنه لولا ترجمات بغداد لكلّ التراث اليوناني الفلسفي والعلمي لما وصل إلينا شيء منه. ففي عهد الرشيد والمأمون كان بيت الحكمة أول جامعة علمية في العالم تنقل للغة العربية آثار افلاطون وارسطو وفيثاغورس .. لكن اليوم يضغط العالم بقوة عاصفة امام خيارين: إمّا الخضوع للاستبداد وهو مقيت مرعب، واما الخنوع للاستعمار وهو تخريب مدمر. فلماذا لم نأخذ مصائرنا بأيدينا منذ الخمسينيات ونتعامل مع العالم بنور العقل وقوة البصيرة.. حتى أن شعبين من شعوبنا في العراق وفلسطين يتعرضان لما يشبه الابادة تحت شعارات مخادعة كذابة لم تعد تنطلي على أحد؟! إن القوى العظمى مثل أميركا اذا بلغت ذروة التحكم العسكري والتكنولوجي لابد أن تتصرف كما تصرفت اي خارج الشرائع الدولية والقوانين الاممية.. لتملأ الفراغ.. والفراغ العربي ممتد شاسع مثل صحارينا.. فراغ فكري وعلمي وحضاري لم نستطع ان نخفيه على القوى المتربصة بكل فراغ، فانكشفت عوراتنا وظهرت سوءاتنا وضربونا في فلسطين كما ضربونا في العراق ونحن في العراء، لا تحمينا مؤسسات قوية ولا اقتصادات غنية ولا قيم سياسية ولا ثوابت أخلاقية.. فكيف نحارب ومن اجل من نحارب؟ وهل يجوز أن ننقاد الى نظام دكتاتوري في العراق لم يتردد في اشعال حرب ضد ايران طالت على مدى ثمانية أعوام بدون اي مردود، ولم يتردد في احتلال دولة عربية مسالمة في الكويت؟! ولكن مهما كانت هذه الممارسات الغريبة الخارجة عن منطق، فهل يجوز ضرب الابرياء وقتل الاطفال وتشريد شعب وتدمير بلد واحتلاله بحكومة عسكرية أميركية؟! كل هذه المخططات مخيفة وكل هذه الآفاق مظلمة وكل هذه الخيارات مدلهمّة.. والحل العربي الوحيد هو اعادة النظر في اعماقنا واعادة بناء حاضرنا على أسس جديدة مبتكرة من الالتحام الضروري بين القمم والقواعد، لا على اساس الشعارات الجوفاء والولاءات النفعية والمصالح الظرفية والانفراد بالقرار.. بل على أساس الشورى الحقيقية والحوار مع احترام الاختلاف، وعلى اساس اتاحة الفرصة التاريخية امام عبقريات المجتمعات المدنية العربية حتى تبدع وتفكر وتستنبط وتبني وتؤسس وتشارك. فالخيار المطروح اليوم أمام جماهير العرب هو أن يقتادهم مستبد أو يضطهدهم استعمار، في حين أن الحل الأمثل.. أو الأقل سوءا هو ان يأخذوا مبادرة اصلاح ما بأنفسهم.. وقد اطلق القرآن الكريم على ذلك العمل الصالح عبارة تغيير ما بالنفس: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».. فلنعد النظر في علاقة الحاكم بالمحكوم وعلاقة النقل بالعقل وعلاقة العرب ببعضهم وعلاقة العرب بالامم الاخرى وعلاقة العرب بالتاريخ.. وعلاقة الرجل بالمرأة وعلاقة الاب بالابناء وعلاقة الشرطي بالمجتمع وعلاقة القضاء بالسلطة وعلاقة صاحب الامر بصاحب الرأي. وساعتئذ يمكن أن نرفض الاستعمار ونختار الاستقلال، ونرفض الشعارات ونختار الحريات. ـ استاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر