الاثنين 12 صفر 1424 هـ الموافق 14 ابريل 2003 يبدو ان هناك تلازماً بين نشوب الحروب ذات الأثر الواسع وبين نشوء وتطور التنظيم الدولي، فهذه الحروب وما تسببه من مآس ودمار، وما تحركه من رغبات نحو تحقيق الأمن والعيش بسلام، تؤدي إلى قيام المؤسسات الدولية. ومن المؤكد ان وجود هذه المؤسسات لا يمنع نشوب الأزمات والتي قد تؤدي بدورها إلى قيام الحروب، فهي لا تؤثر بشكل كبير ومباشر على احتمالات الحرب والسلام. واذ ما كانت الوظيفة الاساسية لقيام المؤسسات او التنظيم الدولي هو اقرار السلام الدولي، وتمكين الدول من ممارسة وظائفها في اطار دولي تعاوني من خلال ايجاد منابر عالمية للحوار السياسي، وعرض وجهات النظر حول القضايا العالمية، فإنه وبالعودة إلى تطور المؤسسات الدولية نجده قد سبق ولادة القرن العشرين، فبنهاية حرب القرم في أوروبا كانت بداية لتشكيل «لجنة الدانوب» عام 1856 لحل المشكلات الناجمة عنها، وتسوية اوضاعها، وتلا ذلك ظهور اتحادات مثلت اول شكل حقيقي للتنظيم الدولي، فظهر الاتحاد الدولي للتلغراف عام 1865، الاتحاد العام للبريد عام 1874، ووقعت اتفاقية انشاء المكتب الدولي للموازين والمقاييس عام 1875 ومع نهاية قرن وبداية آخر كانت هناك قفزة هائلة على مستوى المؤسسات الدولية وذلك بانشاء المحكمة الدائمة للتحكيم 1899 ـ 1907، وبعدها تواصل قيام اتحادات فنية دولية كالمكتب الدولي للصحة عام 1908، ومكتب العمل الدولي عام 1919. إلا ان التحول البارز والمهم تمثل في قيام عصبة الأمم عام 1919، لكن المعضلة الرئيسية التي واجهتها العصبة انها بدت ـ وهو الأمر المتكرر مع انتهاء الحروب ـ وكأنها جزء من سعي الدول المنتصرة لتكريس انتصارها واضفاء الشرعية على التسوية التي اقرتها معاهدة «فرساي»، لكن الفشل الذي واجهته عصبة الامم كان مرده للشروط التي وضعت في مؤتمر السلام في فرساي والتي امطرت القارة القديمة واغرقتها سياسياً واخلاقياً بسبب ادانتها للمغلوبين وهو ما بذر الحقد في القلوب لآجال طويلة، كذلك كون اعظم دولتين في العالم آنذاك غير الولايات المتحدة لم تكونا من بين اعضائها، ولكن بنحو خاص لأن «مجلس الشيوخ» قرر الا تدخل الولايات المتحدة هذه المؤسسة لانها لم تكن مطابقة للصورة التي كونتها عن «ماكينة» عالمية تعمل لحسابها، الأمر الذي ادى إلى الفشل والعجز الذي تمثل في منع التجاوزات التي تمت من اعضائها الاقوياء وانتهاكهم للسلام تحت ذرائع شتى، مما أدى إلى عدم القدرة على منع نشوب الحرب العالمية الثانية، واجهاض محاولة بناء نظام عالمي للأمن الجماعي. لقد أفرزت الحرب وبما سببته من ضحايا واستخدام هائل ومفرط للقوة العسكرية ثلاثة تطورات رئيسية على صعيد المؤسسة الدولية اولهما التحول المؤسسي من عصبة الأمم إلى الأمم المتحدة، وثانيهما ظهور المؤسسة الاقتصادية العالمية «صندوق النقد الدولي، البنك الدولي» وثالثهما انطلاق مفهوم المؤسسة الاقليمية «الجامعة العربية». ومن هنا فإنه يمكن القول ان ظهور الأمم المتحدة قد جاء من اتون الحرب العالمية الثانية وويلاتها والدعوات نحو تعاون دولي، لذا فإن الأهداف والمباديء التي وردت في المادتين الأولى والثانية من ميثاقها ركزتا على حفظ السلام والأمن الدوليين، وحل المنازعات الدولية بالطرق السلمية، وحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي، مع عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول... الخ. ولكن وبعد مرور 58 عاماً على انشاء المنظمة يتضح مدى الشلل والعجز الكامل تجاه معظم القضايا الدولية ذات الطابع السياسي، هذا العجز الذي صادفته المنظمة كان بفعل عوامل عديدة منها ان تركيبها جاء نتاجاً لموازين القوى الدولية واستمر بشكل او بآخر اثناء الحرب الباردة، وظل دورها مقصوراً على العمليات التي كانت موضع رضا الدولتين العظيمتيين، لكن مركزية هذا الوضع تعرضت لتغيير جذري عقب سقوط نظام ثنائي القطبية، وبدت الامم المتحدة تتحول الى هيئة تابعة للقوة المسيطرة أو محل تجاهل. ان مستقبل الامم المتحدة لا يرتكز على وجودها كهيكل، بل على ما تقوم به من دور ليس بالتأكيد في جانب الخدمات الانسانية عبر مؤسساتها المختلفة، ولكن عبر تطبيق اهم البنود الوارد في ميثاقها وهو تحقيق السلم والامن ـ والذي يبدو انها اضحت تفتقده ـ ولعل الخشية واردة بأن تتحول المنظمة الى مجرد وسيلة شكلية تخدم العمل العسكري، وتضفي عليه الشرعية. والامر المهم هو ما اوجدته المنظمة من مفاهيم، ولعل اهم ما اثمرته ومنذ تأسيسها عام 1945 اصدارها لمجموعة من الاعلانات وابرامها لاكثر من مئة من الاتفاقيات اصبحت مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان مرجعية يعقد بها، بل واستطاعت المنظمة وضع آليات مراقبة لتنفيذ هذه الاتفاقيات. لقد انتقلت حقوق الانسان من الشئون الداخلية لتصبح جزءاً من القانون الدولي وهو ما يعني امتلاك كل البشر لمنظومة من الحقوق غير قابلة للتصرف ولا يمكن انكارها باعتبارها حقاً مكتسباً، والاكثر من ذلك ان المنظمة غدت المحرك الاساسي للقواعد القانونية لحقوق الانسان. ان هذا الإرث الانساني المتعلق بحفظ كرامة الانسان وصون آدميته، والذود عن حقوقه ومقدراته، ودفع التجاوزات عنه ـ بعد ان تزايدت خطورتها ـ واصبحت حياته وأمنه وحتى مستقبله ميداناً للانتهاك تحت اعتبارات لا تستند سوى لمنطق الجبروت، هذا الإرث الانساني يبدو انه يتعرض وسيتعرض للتجاوز ولمحاولة قلب المفاهيم والمصطلحات التي ترسخت في الوجدان. ـ الامين العام للمجلس الوطني الاتحادي