الاثنين 12 صفر 1424 هـ الموافق 14 ابريل 2003 ليس رثاء من أي نوع، ولا بكاء من أي نوع، ولا انهياراً من أي نوع، ولا انبهاراً من أي نوع.. إنما هو الحزن النبيل يترقرق دمعاً في المآقي على مشهد الجندي الأميركي يختال في ساحات بغداد ويحكم ويقتل ويدمر بإمرة استعمارية استعلائية صهيونية، إنه انسياب بعض الدمع السخين في ماء دجلة يضيف قطرات إلى تياره الجارف الذي يختصر الزمن بين هولاكو وبوش ليجمع الاثنين على بركٍ من دم أهل بغداد يلتذان بدمارها وحرائقها ونهبها ونشيج أطفالها ودموع الأعزاء من أبنائها. إنه الأسى العميق الذي يقطع أمشاج الروح بشفرة سيف زمن عالمي رديء تحكمه القوة الغاشمة وزمن عربي أردأ عنوانه القوة الغائبة.. حزن على بغداد وأطفالها ونسائها ورجالها وكرامتها المنتهكة بوجود جند الاحتلال الأميركي البريطاني فيها.. حزن على بغداد عاصمتنا العربية الإسلامية الرائعة. من أسقط بغداد في الدمار والظلام وجعلها تحت وطأة أحذية الأعداء.. من طمع ومن خطط ومن دبر ومن سهل ومن سبب ومن تواطأ ومن انهزم ومن قبض ومن فسق ومن فسد ومن ظلم.. إلخ. كل ذلك معروف للجميع، وكل الكلام فيه قيل وتم ترديده لدرجة الضجر من ترديده، ويمكن أن يردد ويستمر ترديده إلى ما لا نهاية.. نحن في النتيجة.. اليوم بغداد مستباحة مباحة وأمامها مجهول يقتحمها وتقتحمه، المؤكد فيها اليوم أن عدو الأمة يجول في أرجائها ويصول ويحكم رؤيتها ويتحكم بمستقبلها على المدى المنظور، وهذا أشد إيلاماً من كل ألم. أنا لا أعوِّم نفسي فوق دماء أمتي، ولا أتجنب الكلام عن انتمائي إليها خوفاً من القابضين على عنقها الشاهرين السيف عليها، ولا أكف عن إعلان انتمائي إليها في المحنة وأكف عن ترديد القول بالانتماء إليها في الرخاء.. وأترك الرخاء لأصحابه في أوقات الفرج، ويكون الضنك والشدة لي ولأمثالي ممن يختارون الإعلان عن الانتماء لأمتهم والالتزام بها وبواقعها في أوقات الضيق.. وها أنا أجدد إعلان انتمائي في هذه الشدة لفلسطين المقاومة، وللعراق الذي لا يصنع حريته المحتلون الأميركيون والطامعون الذين يدخلون أرض العراق على ظهور الدبابات الأميركية والبريطانية ليقيموا ديمقراطية مذهلة بمنطقها الذي استمعنا إليه من شخصيات عراقية مختلفة المذاهب والمشارب.. أنا أعلن انتمائي للعراق الذي لا تطأ أرضه قدم أجنبي محتل، ولا تشوب سماءه غيمة ظلم أو حقد أو فتنة، ولا تحكمه قوة غاشمة أو قوة تحكمها قوة غاشمة من وراء ستار.. أنا ابن العراق في الضيق.. ولم أكن قط من «أبنائه» بأي معنى في أوقات الفرج المكهرب بالظلم والطغيان والقتل والسحل والقسوة والموت.. أنا ابن حضارة العراق وعروبته وإسلامه وسلمه وأمنه وأمانه وتسامحه مع كل أهله وجيرانه، وابن حربه على الاحتلال، العدو الأشر للشعوب والحرية والقيم والعروبة والإسلام، وابن قوته المنشودة للدفاع عن الذات والثروات والقرار والأمة والهوية والكرامة. لم أكن مع بطش النظام وتشريده لأبناء العراق ولم أكن مع حربه على إيران ولا مع احتلاله للكويت ولا مع صنوف فساده وإفساده ولكن كنت مع العراق حين تعرض لاحتلال أميركي بريطاني خارج كل شرعية وقانون وخلق قويم.. أنا مع الحرية ومع الأمة ومع الحق والعدل حين أنصر العراق ظالماً ومظلوماً بالمعنى الدقيق للحديث الشريف الذي ورد بهذا المعنى العظيم، وقد مارست ذلك بوضوح تام وسأبقى عليه. أنا اليوم لا أنعي أمة العرب فذاك ليس شأني ولا هو مما أقوله أو أومن به أو أركن إليه.. فالأمة ستبقى ولكن بأية حال وعلى أي مستوى من البقاء والحضور الحضاري ذاك هو السؤال، أنا لا أنعي أمة العرب بل أرثي لتفرقها وتمزقها وتعاونها مع عدوها على نفسها لكي يقطِّع منها ما يشاء، تاركاً لكل فريق منهم فرصة أن يتشفى بالآخر حتى يتفجر الحقد برئتيه، بينما النطع والسيف معدان يدوران على الرئوس كل وفق توقيت وترتيب ملائمين.. أنا لا أنعي أمة العرب ولكنني أخشى من غد قادم قد يكون أشد قسوة عليها، وأتطلع إلى زمن قادم لا بد أن ننشده ونعد له ونستعد.. زمن يشهد فعلاً عربياً حقيقياً لتحرير القدس وتحرير بغداد من الصهيونية والاحتلال ليكون في ذلك لنا ولأهلنا، ومن ثم لأجيالنا من بعدنا: بلسم قلوب، وسلم ارتقاء وارتفاع عن الدرك الذي نحن فيه إلى شيء من الكرامة والثقة، ولحظة زهو حضارة وتاريخ يضيفان شيئاً إلى ما كان لنا في مجد الحضارة وحضور في التاريخ. سقطت بغداد ودخلها جند بوش.. أو بالأحرى جند المخططين والدعاة والمثقفين والمسئولين اليهود في دوائر واشنطن المعتدية من أمثال: ولفوويتز، وريتشارد بيرل، وبيل كريستول، وتشارلز ويتهايمر، وإليوت إبراهمز.. إلخ. وكل الذين دفعوا ويدفعون باتجاه حرب على العرب لتغيير جذري في الثقافة السياسية للمنطقة، وإعادة تشكيل جغرافيتها السياسية، والسيطرة على نفطها وبقية الثروات فيها، والتحكم بالنهج التربوي للأجيال القادمة والتكويني للعقول والأرواح والإرادات، من أجل أن يتم اعتراف شامل بالكيان الصهيوني المحتل، وغياب وتغييب شاملين لمعنى المقاومة والتحرير والحرية في فلسطين وما حولها.. من أجل أن يصب نفط كركوك والموصل في حيفا، وتصل مياه دجلة والفرات إلى اليهود في فلسطين المحتلة.. ومن أجل أن يهيمن أصحاب الفكر والاعتقاد التلموديين في واشنطن وتل أبيب ومن يتبعهما ويلهث في ركابهما من الغربيين والعرب على عقول العرب والمسلمين وأرواحهم وضمائرهم وعقائدهم وتوجهاتهم، إن هم استطاعوا إلى ذلك سبيلا. نعم لقد سقط نظام صدام حسين وتمثاله في ساحة الفردوس وساحات عراقية أخرى، وسقط العراق في قبضة الاحتلال الأميركي البريطاني والصهيوني. والعراق يدخل منذ التاسع من إبريل 2003 مرحلة جديدة، والمنطقة كلها تدخل مرحلة جديدة، حيث سيكون عهد من الاحتلال الأميركي البريطاني. سيكون في العراق خلفاً لنظام صدام حسين قد يختلفون عنه كثيراً وقد لا يختلفون. وفي رؤية الذين يرسمون الخطط لعراق ما بعد صدام في الدوائر الأميركية ويقررون صورته وتكوينه أمور كثيرة منها: ـ الجيش العراقي النظامي سوف يعاد النظر به، التنظيم الإجباري سوف يلغى، ويقلص عدد عناصر الجيش، ولن يكون في العراق جيش مقاتل من أجل قضايا أكبر من حدود العراق ودور محدود له في نطاق الرؤية الاستعمارية الجديدة. ـ النفط سوف تتم خصخصته والسيطرة عليه والتحكم بضخه وتسعيره وتسويقه، وسوف يصبح العراق حصان الولايات المتحدة الأميركية في منظمة أوبك، حيث يؤدي دوراً في الداخل والخارج يفضي إلى تدمير دور المنظمة وتحييدها في المنافسة النفطية، ومن ثم يلغي قدرتها على التحكم بسوق النفط وتسويقه وتسعيره، وتتخلص الولايات المتحدة من تأثير أوبك مضايقاتها. وسوف يتم إيصال النفط العراقي من كركوك والموصل إلى حيفا، وكذلك مياه دجلة والفرات إلى الكيان الصهيوني. ـ وسوف يتم تطبيع العلاقات قريباً بعد الاعتراف الذي ستقوم به الحكومة العراقية القادمة، وتعقد معاهدة على غرار كامب ديفيد بين الكيان الصهيوني والعراق. ـ وسوف يكبل العراق باتفاقيات ومعاهدات سياسية واقتصادية ودفاعية متنوعة مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، وسيستمر الوجود العسكري في العراق إلى مدى غير منظور من الزمن، ولن يبقى يوماً واحداً أكثر من المدة الضرورية لبقائه كما يقول بوش وبلير، ولكن المدة الضرورية سوف تكون مفتوحة ويحددها المستعمرون الذين سيخلقون ألف علة تشكل ضرورة لبقاء قوة الاحتلال.. وستقام قواعد أميركية عسكرية في العراق تكمل قوس القواعد العسكرية الاستراتيجية المقامة في المنطقة والسيطرة العسكرية المباشرة الأعظم والأدوم سوف تستمر على الشمال والجنوب في العراق حيث منابع النفط. أما الاحتلال الأميركي البريطاني المباشر فسيبقى في العراق حتى نهاية عام 2005 على الأقل، أو إلى ما بعد قيام دولة فلسطينية تتضمنها خريطة الطريق، بموافقة الكيان الصهيوني وسيطرته التامة على مقاليدها كافة. بعد ذلك التاريخ قد تكون هناك حكومة عراقية مرتبطة بالولايات المتحدة الأميركية ولكن لها وجه استقلالي ظاهر ويتحكم بها المحتلون بشكل كامل. عندما تحدد العلاقة بين إسرائيل والعراق بموجب اتفاق كما هي محددة مع مصر بموجب معاهدة، ستعيش الحكومة العراقية المقبلة بإمرة الاستعمار مما سيوقظ الشعب العراقي على حقائق كبيرة وخطيرة أهمها أن بلده تحت سيطرة الاحتلال الأميركي البريطاني المتفق على حدودها ومداها، وأن ثرواته تنهب وسيادته تتعرض للانتهاك الخطير.. عندها سندخل مرحلة مواجهة الاستعمار والعمل من أجل تحرير العراق. ستكون تصفيات في العراق، ومواجهات بين قوى قومية وسياسية وطائفية ومذهبية. والتخلص من منتمين للبعث تعني التخلص من عراقيين هم أبناء عشائر من كل العراق وليسو أبناء صدام حسين، وقتل أبناء أي عشيرة أو ملاحقتهم سيؤدي إلى تقابل سلبي بين أبناء العشائر على نحو ما، وهذا يدخل العراق في دوامة الفتنة والدم والثأر.. والدم دائماً يطلب الدم ويقتضيه ـ وقى الله العراق شر الفتنة والدم والثأر ـ وإذا ما حدث هذا لا سمح الله سوف نجد أنفسنا بمواجهة صراع دام.. وصراع مضاف: كردي تركماني، وكردي عربي، على أرضية تأسيس الحلم الكردي بدولة، وعندما تدخل كل من تركيا وإيران معترك الصراع على أرضية الحفاظ على الوحدة الجغرافية لكل منهما والوحدة الجغرافية للعراق، سنجد أن المنطقة كلها سوف تدخل في دوامة العنف والصراع الذي لن يستفيد منه سوى الاستعمار الذي سيجد ضرورة لإدامة بقائه، والصهيونية التي ستفتك أكثر بالعرب والمسلمين. الداء سيكبر والعلاج محدد: إزالة إسرائيل والتعاون مع الأمريكيين والأوربيين على مستوى تبادل المصالح والاحترام المتبادل، بعيداً عن وجود مشروع صهيوني أو مشروع استعماري للمنطقة. هل هذا صعب ؟ نعم إنه في غاية الصعوبة ويكاد يدخل في دوائر المستحيل، ولكن لا يمكن أن يكون هناك استقرار وأمن وحرية وديموقراطية وازدهار حقيقي للعرب في أرضهم وللمسلمين في أوطانهم، ما دام المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني الأميركي يستهدفهم ويمعن غوراً في أرضهم وسياستهم. والسؤال مطروح: هل سوريا هي المرحلة التالية التي ستبدأ مأساتها بعد انتهاء الحرب العدوانية على العراق؟ إن التهديد قائم والعدوان ليس وشيكاً.. نعم إن مبدئية سوريا، ورؤيتها السياسية الثقافية، وموقفها القومي، ومقاومتها للاحتلال الصهيوني والتدخل الأجنبي في المنطقة ورفضها الاستعمار.. كل ذلك مستهدف.. والمعروض على سوريا في صيغة اختيار محدد: إما أن تكوني معنا أو فأنت ضدنا. وفق مبدأ بوش، وضرباته الاستباقية قائمة ومخطط لها ولن تعوزه الذرائع، وهناك من يدفعه إلى ذلك من يهود الولايات المتحدة الأميركية إلى شارون على الفلاشا مع عرب في ركاب هذا التيار بدأت أسئلتهم تنثال محملة بالحقد والتشفي: متى؟!. وترجمة ذلك هنا عملياً تتحدد في المطالب المعروفة جيداً والمكررة مرات: ـ تجريد حزب الله من السلاح والضغط عليه ليأخذ طريقاً أخرى ويتخلى عن السلاح والمقاومة والمطالبة بالقدس. ـ إنهاء كل شكل من أشكال المقاومة للاحتلال الصهيوني ولا سيما المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها التي تسمَّى عند المحتلين الصهاينة وحماتهم الأميركيين إرهاباً، وإغلاق مكاتب حماس والجهاد وغيرهما من القوى الفلسطينية التي تقاوم الاحتلال ولا تعترف بالعدو الصهيوني وتقول بالعودة والتحرير، وربما نفيها من دمشق لتكون تلك هي المرة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة للنفي من أرضهم ومن أرض عربية إلى أخرى. ـ أن تقبل سوريا بحلول لقضية فلسطين سقفها أدنى من تلك التي رفضها الرئيس حافظ الأسد في جنيف في أثناء آخر لقاء له مع الرئيس الأميركي بيل كلنتون: عودة الجولان ما عدا شريط على الشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبرية، وبقاء مواقع مراقبة في جبل الشيخ، وابتعاد الجيش العربي السوري عن مواقع المواجهة وتخفيض قوته، مع اعتراف بالكيان الصهيوني وتطبيع وسفارة وتعامل طبيعي في مجالات السياحة والاقتصاد..إلخ مما هو معروف. وإذا رفضت سوريا الانصياع لشروط السلام الإسرائيلي الأميركي فسوف تصنف: دولة في محور الشر، ترعى الإرهاب، وتحاول أن تمتلك أسلحة الدمار الشامل، فيها نظام بعثي وديكتاتورية وحكم شمولي، وليس فيها ديموقراطية، وفيها تعذيب وجرائم.. إلخ، وبقية المعزوفة الذرائعية معروفة وموجودة وموضوعة على جدول أعمال الكونغرس في صيغة مشروع قانون سمي : محاسبة سوريا لعام 2002 ويضاف إليه اتهام رامسفيلد وولفويتز وكولن باول لسوريا بأنها ساعدت العراق.. وافتراءات شارون التي عاد لتسريبها بأن أسلحة الدمار الشامل العراقية التي لم يعثر عليها أحد، سربها العراق إلى سوريا.. ومن ثم يُرسَم سيناريو للحصار ويتوالى التهديد والإعداد والاستعداد للعدوان خارج كل منطق وشرعية وقانون إذا لم تستجب سوريا سلماً فتسلّم بما يريدون.. ثم يتم « تزغيط» إسرائيل بقوة السلاح والغرور وشرعية الدفاع عن النفس، و«ملاحقة الإرهاب ومن يرعاه»، لكي يتم إجبار سوريا على القبول بالشروط الإسرائيلية الأميركية بسلام إسرائيلي كانت ترفضه وعليها أن تقبل به سلماً أو حرباً. في لحظة ما إذا ما قامت حرب عدوانية على سوريا ـ لا سمح الله ـ فسيكون تحرير لبنان بين الأوراق المستخدمة والذرائع المعلنة، وسوف تشهر سيوف صدئة من أقربتها، وسوف نرى ألف أنطوان لحد وأمثاله بين واشنطن وباريس وسدني وبيروت يحدقون بالعلاقة اللبنانية السوريا ويزحفون مع جيش العدو لكي «يسقطوا حكم البعث في دمشق»، لا يهمهم الرئيس بشار الأسد وما قال ولا البعث ومواقفه من اتفاق 17 مايو ووقف سيل الدم في لبنان وعودته عربي الوجه واليد واللسان.. بل يهمهم أن ينفذوا ما يريده الصهاينة والمستعمرون بزينة كلامية: إنهم «محررون وديمقراطيون» يأتون على ظهور الدبابات الصهيونية والأميركية؟! مهزلة تتكرر وتعاد وتستعاد؟!، وسينضم إليهم حاقدون وقصيرو نظر كثر كثر كثر.. محشوون بالجهل والحقد، يأملون أن يكون من هناك أحد المداخل العسكرية على سوريا.. مدخل «إسرائيلي» أميركي يأتي مع تحالفه من البر والبحر والجو. ستكون سوريا محاصرة بالآتي: الكيان الصهيوني من الجنوب الغربي، أما من الشرق فستكون قوة الاحتلال الأميركي البريطاني الصهيوني التي تحتل العراق، ومن أساطيل الولايات المتحدة الأميركية والبريطانية في المتوسط.. سوريا ستكون في حصار، وأمتها ستقدم لها الصراخ والبيانات، والرسميون العرب في مواقع مختلفة سوف يقومون بتعاون وتنسيق مع قوة التحالف ضد سوريا «الخارجة على القانون» الصهيوني الأميركي، والمتمسكة بتحرير أرضها من الاحتلال، وبدعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية، والرافضة لتصفية حق العودة للفلسطينيين، ولجعل القدس عاصمة للكيان الصهيوني.. ستكون سوريا محاصرة ويبدأ العدوان عليها بذرائع أميركية صهيونية لا يعيق تدفقها شيء.. وعلى سوريا، في ذلك الوضع الذي سيعملون أن تكون فيه، عليها أن تقرر الاستسلام أو الدفاع.. وبصرف النظر عن الحق والعدل والحرية والأمم المتحدة ومؤسساتها وقوانينها فإن القوي سوف يفرض قانونه ويكتب تاريخ القضية وأسبابها وتفسيراتها. اليوم نحن على مشارف فسحة زمنية نتدبر فيها أمورنا ونفكر في الكيفية التي نرسخ فيها مبدئيتنا ونحدد سبل المواجهة على أرض الاختيار المبدئي الحر.. ندرس مع العرب ما يمكن أن يروه بشأن القضية القومية الرئيسة، ونتدبر أمورنا في البيت الشامي مع سبل مواجهة العدوان المحتمل وكيفية العمل مع المقاومة وبها. لن يبدأ شيء ضد سوريا قبل العمل على خريطة الطريق التي ستكون سوريا أحد أطرافها غير المباشرين، عندما يتكفل أبو مازن بتنفيذ خريطة الطريق بعد الموافقة عليها، يبدأ الضغط على سوريا حتى لا تعارضها وتستمر في النظر إليها والتعامل معها كجزء من أوسلو التي رفضتها وتعهدت بعدم الوقوف بوجهها. لكن نحن أمام مشروع أسوأ من أوسلو ولن يتوقف عندها وسوف نجني ثمر الرصاص عندما نرفضها أو نقاومها أو نتصدى لها.. لأن الأمر لن يتعلق عندها بأبي مازن وحكومته، ولا بفلسطين وخياراتها الحرة، ولا بالعراق ومن يحكمه، ولا بتحرير الجولان أو عدم تحريره، بل يتعلق بالموقف المبدئي لسوريا ودورها العربي ومكانتها التاريخية والحضارية. وإذا ما قامت الجامعة العربية الجديدة التي ينادون بها وباستبعاد المتشددين منها، وفق ما يطلب وما يعلن، نكون قد وصلنا إلى مشروع بيريس في رؤيته الشرق أوسطية: حيث سمى الجامعة العربية «جامعة الكراهية» وطالب بتدميرها وإقامة جامعة شرق أوسطية بدلاً منها تكون للكيان الصهيوني فيها قدم وشرعية وحضور وفاعلية. أن الشر لا يكف عن التفريخ، والخوف منه عامل مساعد له، وما علينا إلا أن نعي ما يرسم لنا ويراد منا لا لكي نحسن الخضوع له ولكن لكي نعمل على تجنبه بكل القوة والوسائل الممكنة.. المهم ألا ننهزم وألا تنهزم الأمة.. لقد احتل الأميركيون العراق ولكن العراق سيبقى ويتحرر، ولن تتخلى سوريا عن مبدئيتها ودورها ورسالتها، وآمل أن تنصرها أمتها.. وأياً كان الوضع المأساوي في العراق اليوم، يوم حزن بغداد والحزن عليها، وأياً كانت درجة الشر الأميركي الصهيوني الذي يتهدد أمتنا فسوف نبقى ونصمد ونقاوم ونرفض الكيان الصهيوني وضياع فلسطين ونكبة أخرى تحل بالأمة، إننا هنا فوق أرضنا.. وسنبقى هنا فوق أرضنا بهويتنا العربية ندفع بالدم والإرادة الخيرة قوة الشر عنا، وننشد الحرية والتحرير بمفهومها الصحيح، ونقاوم الطغاة والمستعمرين والغزاة دفاعاً عن العروبة والإسلام والقيم والحضارة والمعاني البعيدة والسليمة لحقوق الأمم والشعوب. ـ رئيس اتحاد الكتاب والادباء العرب