الاثنين 12 صفر 1424 هـ الموافق 14 ابريل 2003 متى تتخلص المعلمات من تأثير الافكار التقليدية فيما يختص بالانشطة التي تؤديها الطالبات في اطار حرصهن على التعبير عن التواصل مع المسابقات والبرامج التي ترعاها الادارات المدرسية او المناطق التعليمية او التي ترعاها الوزارة؟ هذا السؤال هو احد الاسئلة الفائقة الاهمية والذي ليست له اي اجابة شافية في محيط بيئتنا التعليمية حتى اليوم.وهو سؤال التحدي الذي عجزت ـ مع الاسف الشديد ـ جموع من المدرسات في التعامل معه بطريقة تؤكد حدوث تطور في مفاهيمهن حول التعامل مع الابداع على النحو الذي يحرك المياه الراكدة، ويخفف من الاحتقان القديم في شأن علاقة الطالبات بالانشطة المدرسية.ما اثار هذه القضية اليوم على وجه التحديد رسالة وصلتني بالبريد الالكتروني حملت اسم «صرخة استغاثة» من القارئة عذاري. م. وهي طالبة في المرحلة الثانوية. وكانت رسالة عاصفة بدءاً من العنوان الذي حمل صوت الانين وطلب النجدة، وانتهاء بسطور الرسالة النارية التي كتبت في لحظة انفعال شديد وشعور بالاحباط والخوف من الفشل في تحقيق مراد معلمتها الاثيرة لديها.فما حكاية عذاري؟ ولماذا اصبحت المعلمة التي ترتبط بمشاعر قوية تجاهها تثير متاعبها الى هذا الحد، وتطلب استغاثة عاجلة تقيل عثرتها وتعيد اليها بعض شجاعتها المفقودة؟ قد يكون سبب مشكلة عذاري غاية في الغرابة بالنسبة لمن لا يعرفون مجريات الاحداث في الميدان التعليمي.اما بالنسبة لي فهو مألوف تماماً، ولدي صندوق رسائل لو فتحته لن يجد قرائي خبراً للعراق او للولايات المتحدة او لصراع الحضارات او لأزمة الفكر الحر في زمن انقلاب المعايير وتمرد انسان هذا العصر على المباديء والقيم العليا. والسبب ان همّ التعليم في بلادنا حين نلتفت اليه وننشغل به يكفي لينسينا ما هو خارج هذه المستطيلات الرمادية والمربعات الاسمنتية التي اصطلح على تسميتها مدارس، تلك الاماكن التي تتوارى خلفها كائنات صغيرة تتأبط الحقائب المدرسية بيمينها، والامل المنتظر بشمالها، وتنظر الى المستقبل بشيء من الثقة وكثير من الخوف. فاذا ما اختبرت الارض تحت قدميها، ونظرت الى من حولها لم تجد الا علامات الملل، وامارات الضيق بادية على العيون التي اطلق لها العنان ولم يعد لديها ميزان فيما يستحق التأمل والتفكير او ما لا يستحق النظرة او الالتفات. وعودة الى رسالة القارئة عذاري نفاجأ بكمٍ من التناقضات في التعامل مع الطالبة الموهوبة التي حملت هذا الاسم الجميل.فالطالبة كما تحدثت عن نفسها تحب الكتابة وهي بشهادة معلمتها التي تسببت في حالة الاحباط التي ألمت بها موهوبة ومتميزة لذا لم تبخل عليها المعلمة بعبارات المديح والاطراء التي اصبحت تمطرها بها كلما دخلت الفصل واجتمعت بها.وعلى اثر تلك الحملة التشجيعية الطويلة الامد طلبت منها ان تشترك في مسابقة الوزارة في مجال الكتابة الادبية. وبعد موافقة الطالبة، وانشغالها باتقان العمل الذي اسند اليها، حدث ما لم يكن بالحسبان فقد اخبرتها المعلمة انها لن تقدم عملها الى لجنة المسابقة الا اذا تدخلت واجرت تغييرا يتناسب مع الصورة المرسومة في خيالها حول العمل القادر على الوصول الى المركز الاول. وهنا اسقط في يد عذاري، فليس لديها الوقت الكامن لتنجز عملها، ثم لتعرضه على المعلمة وتقوم الاخيرة بالاضافات والتغييرات التي تريد مما اوقعها في الحرج والاحساس بأنها في ازمة حقيقية. تقول عذاري بالنص الصريح: «ابعث لك رسالتي والعالم كله مشغول بحرب العراق، اما انا فمشغولة بأحزاني والآمي». ترى ما الخطأ الذي قامت به المعلمة، وادى الى ان تتحول سعادة الطالبة الى حزن عميق وفتور في خوض التجربة التي بدأت بداية رائعة وانتهت وهي تطلب استغاثة للخروج منها بأقل الاضرار النفسية الممكنة؟ اعتقد أنه ليس صعبا على كل من لديه ادنى المام بطرق التعامل مع الموهوبين ان المعلمة اخطأت في التعامل مع طالبتها المبدعة.فالخطأ الاول كان في اغداق المديح بدون حد مما اخرج المعلمة عن سبيل الاعتدال وجعل الفتاة تشعر ان لديها امكانات خارقة وهو ما عبرت عنه بشكل صريح في رسالتها المطولة.وكان الخطأ الثاني حين طلبت منها المشاركة في المسابقة ثم اقحمت نفسها في عمل الطالبة الادبي، رغم ان العمل الادبي لا يحتمل المتطفلين والدخلاء حتى لو كانوا اساتذة في اللغة العربية الا في اضيق الحالات وتحديدا في استدراك الاخطاء النحوية والاملائية، اما التدخل بالشكل الذي اشارت اليه الطالبة فهو محاولة فاشلة للتجميل سرعان ما ستتحول الى عمل هجين يفقد العمل الاصلي بهاءه، ويغير نكهته الخاصة، وفي المجمل يخرج العمل ملفقا لا هو من صنع الطالبة ولا من صنع من اقحم نفسه في العمل!! وغدا نواصل بإذن الله