الاثنين 12 صفر 1424 هـ الموافق 14 ابريل 2003 من يفارق الحكمة فهو لا محالة هالك، نهاره كابوس وليله حالك. تلك بإيجاز حالنا نحن العرب في غمرة الأحداث التي تجعلنا أضحوكة في الشرق أو في الغرب!! هل نستعيد ما جرى وما حدث؟! هل نرنو بأنظارنا إلى موقعة شرم الشيخ عندما تجنبت القمة العربية التي عقدت هناك مصاحبة العقل والمنطق والحكمة فكانت النتيجة هي ما نعيشه الآن حيث لا منطق ولا حكمة ولا عقلانية فيما حدث، بينما نحن متسمرون أمام الشاشات وبعضنا من هول ما يرى يبكي ألماً وحسرة على ضياع العقل وفقدان الهيبة في ظل أوضاع مأساوية؟ قد قالها قبل الحرب بأيام وزير إعلامنا سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وهو يعقب على ما جرى في قمة العرب: «سوف تتذكرون هذه المبادرة، ولكن يكون الأوان قد فات»، وها هي الأيام تمضي ليردد كل العرب من المحيط إلى الخليج نفس عبارة سمو الشيخ عبدالله بن زايد، ولكنها مصحوبة الآن بالمرارة.. والأسى.. وربما الذل والهوان على النفس قبل الآخرين.. فقد مضى الوقت وفات الأوان!! نعم.. من يفارق الحكمة هالك.. وتعالوا نستعرض أوجه الهلاك فيما جرى ويجري بين ظهرانينا هذه الأيام.. كانت الحكمة تتجلى في أعمق معانيها وأسمى أهدافها في تلك المبادرة الكريمة التي قام بها صاحب السمو الوالد الشيخ زايد حكيم العرب ورائد الإخاء ورفيق الصدق والوفاء .. من أجل احتواء مشكلة العراق.. داعياً إخوانه في قمة العرب في شرم الشيخ إلى دعم مبادرته وتأييدها صوناً للعراق بأرضه وشعبه وحفاظاً على ماء وجه قيادة منعها طغيانها من النظر إلى صالح بلدها. وها نحن اليوم نجتر ملابسات الأمس عندما رفض أعضاء القمة العربية المبادرة دون أن يكون لديهم البديل الحاسم الذي يحول دون مهانة الأمة وضياع هيبة حضارتها وتاريخها. نتذكر اليوم بأسى بالغ وفي لحظة البكاء على اللبن المسكوب نتذكر تلك المبادرة ونذكر في الوقت نفسه أولئك القادة الذين رفضوها أو رفضوا بحثها ومناقشتها بحجة أنها تشكل سابقة يجب ألا تحدث حتى لا تطالهم آثارها في يوم من الأيام.. نذكرهم الآن.. بما تابعوه وتابعناه من أحداث على أرض العراق. ونقول لهم: أي الحلول كان أشرف للأمة ولكم جميعاً أيها القادة؟ مبادرة الشيخ زايد بكل معانيها ورموزها الكبيرة أمام انهيار دولة شقيقة تحت سنابك الغزاة ومعداتهم الغاشمة.. فات الزمن.. لكن حساب التاريخ لم يفت بعد.. وقد سجلت صفحاته أن البعض منا وهم قادة للأسف ـ قد فارقوا جانب الحكمة وتجنبوا حديث العقل وعادوا المنطق على أمل أن يسترخوا فوق مقاعدهم الوثيرة ذات المساند العالية. سبقتنا الأحداث .. وهرب نظام بغداد تاركاً كل الأنظمة تتخبط وحدها في الظلام تبحث عن تبرير لما جرى وكان. هرب النظام برداء الطغيان الذي اكتسى به سنوات طويلة وترك من رفضوا الانصياع إلى العقل والمنطق والحكمة وحدهم يواجهون ما هو آت .. فلا المكان الآمن قد توفر للطاغية ولن يتوفر لغيره ممن سوف يتساقطون بعده، كما تؤكد الانباء وتشير مجريات الأمور ما دام المبدأ الذي دعت المبادرة السابقة إلى اقراره لم ير النور قبل أن يحل على أمتنا الظلام. لقد رفض هؤلاء الملاذ الآمن بين الأخوة الاشقاء ليفتحوا لأنفسهم أبواب الشقاء عندما رفضوا المبادرة فأتاحوا للطاغية الفرصة كي يمرغ في الوحل كرامة العرب وتلك الأنظمة التي تعامت عن الحكمة والحق! وبقيت كلمة الحق والمنطق وبقي صوت الحكمة في ربوع العرب نابضاً حياً في الإمارات ليردد أبناء الأمة من محيطهم إلى خليجهم سلمت يا زايد .. يا صاحب الرؤية الثاقبة وسلمت حكمتك قولاً وفعلاً.. ورعاك الله لتبقى الحكمة فينا وصوت الحق عالياً في كل بوادينا.