الاحد 11 صفر 1424 هـ الموافق 13 ابريل 2003 لا تكتمل عروبة العربي إلا برؤية عواصم ثلاث هي القاهرة ودمشق وبغداد. فكرة استولت عليّ منذ الصغر.. آمنت بها وترسخت لديّ بعد ذلك.. وما زالت تتأكد عندي يوماً بعد يوم. أما القاهرة فلأنها العاصمة العربية التي شكّلت فكر ووجدان الأمة منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، واستمرت تتبوأ المكانة الأولى في قيادة الشعوب العربية بكل فترات المد والجزر التي تخللت هذه المرحلة.. ناهيك عن الدور الكبير الذي لعبته في تاريخ الحضارة الإنسانية بوجه عام والإسلامية بوجه خاص. وأما دمشق فلأنها أقدم مدينة معمورة في العالم.. منذ أن كانت عاصمة آرامية، ثم مدينة إغريقية، إلى أن غدت مدينة رومانية، وحتى أصبحت عاصمة الخلافة الإسلامية عندما أسس الأمويون دولتهم التي استمرت قرابة التسعين عاماً، توسعت خلالها الفتوحات في الغرب والشرق، وامتدت الى افريقيا والأندلس وبخارى وسمرقند وفرغانة، ووصلت إلى حدود الصين وشملت جزءاً كبيراً من الهند. وقد استمرت دمشق تلعب دوراً كبيراً وتؤثر بشكل واضح في مسار الأحداث. وأما ثالثة الأثافي بغداد فلأنها عاصمة بلاد الرافدين، حيث نشأت أقدم الحضارات وأعرقها وأكثرها إسهاماً في الحضارة الإنسانية، منذ أن استوطنها السومريون ووفد إليها الأكاديون لتكون بحق مهداً لحضارة عريقة بدأت فيها احدى أقدم محاولات الانسان في الكتابة، وازدهرت فيها التربية والتعليم والقوانين وتدوين الطب والكيمياء والرياضيات والفلك والفن والأدب والتجارة وغيرها. ولأنها ارتبطت أيضاً بواحدة من أطول الدول الإسلامية عمراً، وهي الدولة العباسية التي امتدت لأكثر من خمسة قرون أسهمت خلالها إسهاماً كبيراً في الحضارة الإنسانية عامة والإسلامية خاصة. نهضت على يدها الحياة العلمية والفكرية وشهدت البلاد حركة واسعة ظهر خلالها عدد كبير من العلماء والمفكرين، عنوا بعلوم الدين والآداب والمعارف والعلوم الدنيوية بمختلف فروعها، ونشطت حركة التأليف وازدهرت الحياة المدنية وانتشر العمران، وانتعشت الصناعة والتجارة، وارتفع مستوى المعيشة واستتب الأمن. هذا المثلث المتساوي الأضلاع المكون من هذه العواصم الثلاث تشكل من خلاله وجدان جيل أو أكثر لعب الدور الأكبر في تشكيل الصورة على مدى العقود الخمسة الأخيرة من تاريخ العرب الحديث.. مع كل التقدير والاحترام لبقية العواصم والمدن العربية التي لعبت أدواراً مختلفة في التاريخ القديم والحديث. وشيئاً فشيئاً كان الحلم عندي يتحول إلى حقيقة لتصبح القاهرة هي المحطة الأولى والضلع الأول الذي تبدأ منه الرحلة إلى العواصم الثلاث الأثيرة، ليكتمل بعد ذلك المثلث برؤية دمشق الفيحاء ثم عاصمة الرشيد الموغلة في العراقة. لاح الأمل برؤية بغداد للمرة الأولى عام 1980، وكان ذلك في شهر نوفمبر عندما كنت في مهمة عمل بدولة الكويت مع مجموعة من الزملاء بينهم عراقيون.. يومها اتجهت النية لزيارة بغداد بعد انتهاء المهمة لإكمال أضلاع مثلث العروبة لولا أن أجهض الفكرة اندلاع الحرب العراقية الإيرانية فيما عرف بعد ذلك بحرب الخليج الأولى، إذ أُلغيت الرحلات الجوية وأُغلقت الحدود البرية الكويتية العراقية بعد سقوط صاروخ على مسافة قريبة من محطة «أم العيش» الكويتية للأقمار الصناعية القريبة من الحدود العراقية، فكان أن غادرنا جميعاً الكويت بعد انتهاء المهمة وبقي زملاؤنا العراقيون بانتظار فتح الحدود والأجواء. ولأن الحرب التي لم يتوقع لها أحد أن تطول قد طالت أكثر مما يجب، فقد كان لابد من «بغداد» وإن طال السفر. وقد اقتضى الوصول إليها الالتفاف على منطقة المعارك عبر بوابتها وقت الأزمات عمّان.. وكانت الزيارة الأولى والحرب ما زالت على أشدها، تلبية لنداء الزوراء، مدينة السلام والخلفاء، لرؤية سورها الشهير ودار الخلافة والمدرسة المستنصرية ومقر المعتصم ومسجده الشهير ومسجد الإمام أبي حنيفة. وكانت ليلة بغدادية لا تنسى.. التأم فيها شمل مجموعة أتت من دول عربية عديدة حول طاولة على ضفاف دجلة. كان القمر يرسل ضوءه فينعكس على صفحة النهر الذي قامت على ضفتيه أشهر الحضارات وأكثرها غنى، عندما دارت أكواب الشاي العراقي «المخدَّر» على الجميع.. ليلتها تناهى إلى مسمعي صوت شاعر العراق العظيم محمد مهدي الجواهري وأبيات من قصيدته الشهيرة «دجلة الخير»: حَيّيتُ سفحَكِ عَنْ بُعْدٍ فحيّيني يا دجلةَ الخيرِ يا أمَّ البساتينِ حيَّيتُ سفحَكِ ظمآناً ألوذُ بِهِ لوذَ الحمائمِ بين الماءِ والطينِ يا دجلةَ الخيرِ يا نبعاً أفارقُهُ على الكراهةِ بين الحينِ والحينِ إنّي وردتُ عيونَ الماءِ صافيةً نبعاً فنبعاً فما كانت لترويني ليلتها تألق صديقنا العراقي «أبو يعرب» ـ وقد كان يشغل منصباً رفيعاً ـ فانطلق يحدثنا عن أحلام العراقيين بتحويل بغداد الى عاصمة النور العربية.. ليلتها أفاض صديقنا في الحديث عن المشاريع العظيمة التي يخططون لها.. كانت بغداد التي يصورها لنا مشروعاً ثقافياً وفكرياً وتنويرياً ضخماً يسعون إلى تشكيله.. وكانت المهرجانات الأدبية والشعرية والثقافية في أوجها رغم نيران الحرب التي كان يشتد أوارها على الجبهة.. ليلتها تراءى لنا الحلم كبيراً.. كنا نستمع الى صديقنا بشغف.. وننظر إلى تحقيق الحلم بأمل.. وننتظر لحظة اكتماله بلهفة.. مستبشرين بحقبة عربية مختلفة، وزمن عربي جديد تقوده بغداد بكل إرثها الحضاري العظيم، وتاريخها العريق، وقدراتها الهائلة التي كانت تؤهلها لدور تاريخي كهذا. ما الذي حدث بعد ذلك؟ كيف تبخر الحلم؟ من الذي أغوى بغداد وخدعها وقادها إلى الطريق الخطأ كي تقع في ذلك المستنقع وتتحطم الصورة التي رسمها لنا صديقنا العراقي في تلك الليلة البغدادية الجميلة؟ كل هذه الأسئلة وغيرها ظلّت تطرح نفسها منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي أخطأت فيه بوصلة الدبابات العراقية فشقّت الصف العربي قبل أن تشق طريقها إلى دولة عربية جارة وشقيقة. واليوم.. ونحن نبحث عن قمر بغداد الذي ما عادت صورته تنعكس على صفحة «دجلة الخير» بعد أن اغتالته الصواريخ والمضادات وقاذفات القنابل.. اليوم يزداد السؤال إلحاحاً وينفطر القلب ألماً لما آل إليه حالنا وحال العراقيين الأماجد، وما وصلنا إليه من ذل وهوان يعجز عن وصفه البيان. اليوم يأتي صوت الجواهري حائراً بين اليأس والرجاء وهو ينادي: يا دجلةَ الخيرِ: قد هانتْ مطامحُنا حتى لأدنى طِماحٍ غيرُ مضمونِ يا دجلةَ الخيرِ: يا أطيافَ ساحرةٍ يا خمرَ خابيةٍ في ظِلِّ عُرْجونِ يا سكتةَ الموتِ ، يا إِعصارَ زوبعةٍ يا خَنْجَر الغدرِ ، يا أغصانَ زيتونِ لعل يوماً عَصُوفاً جَارِفاً عَرِماً آتٍ فتُرضيكِ عُقْباهُ وتُرضيني