الاحد 11 صفر 1424 هـ الموافق 13 ابريل 2003 هل تتبلور فعلا «جبهة المقاومة الوطنية» في العراق وتثبت وجودها على الأرض؟ من المبكر ان نعرف الاجابة القاطعة على هذا السؤال، ولكن هل يبقى للشعب العراقي خيار غير المقاومة بعد ان وقعت ارضه تحت احتلال قوة اجنبية استعمارية؟ ولا نعلم ان كانت «جبهة المقاومة الوطنية» قد أنشئت بالفعل كتنظيم مظلي يضم عددا من فصائل المعارضة العراقية. كل ما نعلمه ان احد قادة المعارضة البارزين ـ عبدالامير الركابي من «التيار الوطني الديمقراطي» ـ اعلن عن قيام الجبهة من خلال مقابلة مع فضائية ابوظبي «لمواجهة الاحتلال الاميركي». ودعا الركابي كافة القوى وجماهير الشعب العراقي الى مقاطعة اي حكومة احتلال او اية حكومة تقام تحت الاحتلال. وطالب الركابي ايضا كافة المراجع الشيعية والسنية وكل الطوائف بإصدار فتاوى تحرم التعامل مع اي حكومة احتلالية. وأعرب عن اعتقاده بأن القوات الاميركية سوف تخرج من العراق بالقوة. هي اذن دعوة الى كفاح شعبي مسلح.. او معارضة داخلية للوضع الاحتلالي بكافة الاساليب بما في ذلك اسلوب الكفاح المسلح. فما هو مدى النجاح المتاح لمشروع نضالي عملاق كهذا؟ ان اولى الملاحظات التي يمكن ابداؤها في هذه المرحلة المبكرة هي ما اذا كان تنظيم «المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق» يتجاوب مع هذه الدعوة. فهذا التنظيم يمثل غالبية الشعب العراقي.. وثانيا، هو التنظيم المعارض الوحيد الذي لديه قوة ضاربة ـ اي ميليشيا مسلحة ـ (اذا استثنيا المعارضة الكردية في الشمال العراقي بفصيليها)، علاوة على انه يتمتع بدعم ايراني قوي. فأي مقاومة مسلحة لا يشارك فيها هذا التنظيم بقوته الضاربة لن تستطيع الصمود لوقت طويل. فماذا يقول قادة التنظيم؟ في اعقاب سقوط بغداد في ايدي القوات الاميركية الغازية وصدور دعوة من المسئولين الاميركيين الى اجتماع للمعارضة العراقية تحت اشراف اميركي، اعلن حامد البياتي احد قادة «المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق» ان هذا التنظيم لن يشارك في الاجتماع المذكور، لانه ـ اي الاجتماع ـ «جزء من خطة لتشكيل مجلس استشاري للحاكم العسكري الاميركي للعراق». وأضاف: «نحن لن نكون جزءا من ذلك المشروع على الاطلاق». ما يفهم من هذا التصريح ان «المجلس الاعلى» سوف يتخذ موقف معارضة حازمة ضد الوجود الاميركي في العراق، لكن علينا ان ننتظر لنرى خلال الايام القلائل المقبلة ما اذا كان التنظيم سوف يلجأ ايضا الى العمل المسلح. في كل الاحوال فإن المنظمات العراقية التي تعارض الوجود الاحتلالي الاميركي في الارض العراقية ستكون في سباق مع الزمن. فالسلطة الاحتلالية الاميركية التي يرأسها «الحاكم المدني» للعراق الجنرال المتقاعد جاي غارنر مكلفة بتنفيذ أجندة مصيرية تتكون من ثلاثة بنود أساسية هي: ـ إلغاء تأميم صناعة النفط الوطنية العراقية تمهيدا لتسليمها بالكامل الى كبرى شركات النفط الاميركية. ـ تحويل بنية الاقتصاد الوطني العراقي بالكامل الى نظام اقتصاد السوق.. اي تصفية هيكلة القطاع العام والغاء دور الدولة المهيمن على الاقتصاد. ـ تحضير الظروف السياسية الملائمة لاعتراف العراق باسرائيل وتطبيع العلاقات معها. وما تحتاجه الولايات المتحدة من اجل تنفيذ هذه البنود الخطيرة هو ان يكون للحاكم الاميركي في بغداد واجهة «عراقية» مجلس وزراء صوري او هيئة استشارية، حتى تبدو القرارات التي تصدر وتطبق وكأنها صادرة عن ارادة وطنية عراقية. والذي سيدور في خلد الفصائل العراقية التي تعارض الاحتلال الاميركي هو الحيلولة دون تنفيذ هذه البنود.. مما لن يتسنى الا بتبني نهج الكفاح المسلح في وقت مبكر قبل ان تترسخ اقدام الادارة الاحتلالية الاجنبية وتصبح احدى حقائق الوضع الداخلي العراقي. واذا قام بالفعل تنظيم عراقي مظلي للدخول في مقاومة مسلحة، فانه سوف يجد ان البيئة الاقليمية والدولية من حوله لصالحه. فبالاضافة الى الدعم الايراني المتوقع فإن من الشواهد المتوافرة الآن ان الغالبية العظمى للدول العربية سوف تتحرج من الاعتراف بالادارة الاحتلالية الاميركية في بغداد. ومن ناحية اخرى فإن القوى الدولية المعارضة للحرب على العراق اصلا والتي تعارض الآن سعي الولايات المتحدة للانفراد بحكم العراق، سوف تعارض ايضا اي محاولة اميركية لاستصدار قرار او قرارات من الامم المتحدة تضفي شرعية على الادارة الاحتلالية. واذن فإن المعركة التحررية الداخلية التي قد تخوضها فصائل من المعارضة العراقية ضد اي سيطرة سلطوية اميركية في العراق ـ صريحة كانت ام مغلفة ـ سوف تكون مدعومة بمعركة دبلوماسية على صعيد مجلس الامن الدولي تشنها فرنسا وألمانيا وروسيا والصين على الولايات المتحدة وبريطانيا. والمعارضة العراقية ذات التوجه الوطني الخالص في سباق مع الزمن ايضا، حتى لا يتحول العراق الى فلسطين ثانية.