الاحد 11 صفر 1424 هـ الموافق 13 ابريل 2003 ما أن بدأت تحط الحرب الثقيلة المبهمة النتائج أوزارها على العراق، حتى بدأنا ندرك جيداً تلك المعاني الطارئة على قيمنا وثقافتنا، والتي نادت بحروب للضرورة وأخرى لبناء النموذج الذي يحتذى. لدرجة ذهب الكثيرون منا بالتوجس حيناً والتفتيش عن قواميس اللغات الأخرى أحياناً عله يجد الاجابة على تلك الشعارات التي لا تحمل بين ثناياها سوى رائحة الحروب المفعمة بالتهديد والوعيد. لكن بشيء من التدقيق وبعودة الى الماضي القريب من هذه اللحظات الموهونة والمتعبة التي تحمل كل معاني الانكسار وجدنا أنفسنا بين عدد من الأمثلة، فحرب الضرورة كانت على ما يبدو هي عينها الحرب الأميركية التي شنت ضد أفغانستان، بعد كل الارتباكات التي حصلت قبل وبعد أحداث 11سبتمبر في العام الماضي أو قبل الماضي، تحت شعار مقاومة الارهاب وبمباركة دولية لم يشهد لها العالم مثيلاً على الاطلاق، ضد حكومة واهنة كانت قد ساهمت الولايات المتحدة الأميركية مساهمة رئيسية في تشكيلها. المهم أن تلك الحرب كانت قد وقعت في حيز حرب الضرورة بهدف توحيد الرأي العام الداخلي في الولايات المتحدة لجهة الخارج، وكأن التاريخ الأوروبي قد نقل بطريقة المهزلة، لنعود الى نهاية القرن الثامن عشر عندما أرسل الملك الفرنسي شارل العاشر نابليون بونابرت فيما سمي بحملة نابليون في التاريخ الغابر على مصر عام 1798م، سعياً لتوجيه الأنظار الى الخارج للتغطية على الاضطرابات الداخلية التي شهدتها فرنسا في تلك الحقبة كمقدمة لضبطها. تماماً كما حصل في أميركا بفارق الأزمنة وأسماء الشخوص بين الحقبة التي نعيش وبين تلك الحقب الغابرة، لكن الجغرافيا هي ذات الجغرافيا والشعوب المستهدفة هي تلك الشعوب بما تمثله من قيم وعقائد واتجاهات. حتى الفلسطينيين لم يسلموا مما سمي بحرب الضرورة التي لا يزال شارون يمارسها بأبشع صورها تحت عنوان الأمن الاسرائيلي ومواجهة «الارهاب» الفلسطيني، رغم حالة الاحتلال القائمة والذي لم يسأل للحظة عن حالة الاحتلال القائمة على الأرض الفلسطينية، حتى من أكثر الدول حماسة لخارطة الطريق المطروحة كأساس للحل الفلسطيني - الاسرائيلي. هذه الحالة قد تكون مألوفة خاصة وأنها غالباً ما تمارس حتى على مستوى الجوار الاقليمي، أما القضية المستهجنة هذه الأيام فهي القضية المختزلة في حروب بناء النموذج، والتي تمارس هذه الأيام في العراق باعتبار أن العراق يمثل الحل الأمثل للنموذج، خاصة وأن العراق يمتلك كل المقومات المطلوبة لبناء النموذج على كافة الصعد السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية. أي أن العراق على المستوى السياسي يمثل كل الاتجاهات السياسية من دون استثناء، ناهيك على أن هذه التيارات جميعها تقيم علاقات سياسية - أمنية مع الولايات المتحدة بما في ذلك أعضاء منشقون من حزب السلطة المهزومة وحتى بعض الشخصيات الأمنية والعسكرية والسياسية وهم حسب المعلومات المتوفرة كثر. أما لجهة العامل الاقتصادي فالأمر حدث ولا حرج فالعراق بصرف النظر عن البترول الذي يتصدر المرتبة الثانية في العالم لجهة احتياطي البترول، فهو بلد مائي يصلح لاقامة صناعات متعددة تحتاج الى هذه الكميات من المياه، أضف الى ذلك تنوع مناخاته بداية من الصحراوية مروراً بالسهبية وانتهاء بالجبلية، وهذه المواصفات تؤمن ما تسعى له الولايات المتحدة. بينما الحالة الاجتماعية فالولايات المتحدة بحثت على ما يبدو على أكثر وأكبر تركيبة اجتماعية متنوعة اثنياً ودينياً وطائفياً، وأن توحيد هذا الفسيفساء الاجتماعي من شأنه أن يقدم النموذج المبهر شكلاً، ناهيك عن الملكات الموجودة لدى هذا الشعب بداية من القوى العاملة الشابة وانتهاء بتنوع التخصصات الهائلة. الأهم من كل هذه القضايا ربط هذا النموذج بالعجلة بداية من السياسية - الأمنية مروراً بالاقتصادية وانتهاء بحيز العلاقات الدبلوماسية، بالتحديد ربط هذا النموذج اقليمياً باسرائيل بشكل أساسي ورئيسي، ومن ثم يصبح المطلوب من دول الجوار الاقليمي، وبالتحديد العربي، أخذ هذا النموذج العراقي كمسطرة يجري حساب الدول على أساسها كمقياس سياسي واقتصادي واجتماعي ودبلوماسي، وكل من يرفض تطبيق هذا النموذج، المسطرة، يحرر شعبه كما حرر الشعب العراقي من وجهة النظر الأميركية، ولعل الذرائع الأميركية ازاء هذه الدولة العربية أو تلك أكثر من أن تحصى. وقد يكون من المثير للدهشة أو للغرابة، أن شارون بدأ منذ اللحظة الأولى لدخول القوات الأميركية الغازية لبغداد، بالتلويح للسلطة الفلسطينية، وقبل بناء النموذج العراقي، بتهديد السلطة الفلسطينية اذا ما امتثلت لرؤيته السلمية بين هلالين، أي أنه سيطلق قضيتي الارهاب وغياب الديمقراطية، بصرف النظر عن الظروف الاحتلالية التي تفرضها قواته، من أجل تصفية السلطة الفلسطينية وتشكيل سلطة قد تكون نموذجاً مصغراً للنموذج الأميركي في العراق، لكن هذه المرة نموذجاً اسرائيلياً، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه العملية ستخضع هي الأخرى الى حرب بناء النموذج الفلسطيني في الاطار الاسرائيلي. لكن السؤال الملح، هل أصبح بناء النموذج الأميركي في حيز التحقق؟ وهل انتهت العملية الى حالة من الموت الأبدي؟ واذا كان الأمر غير ذلك، ما الذي يمكننا كأمة عريقة عمله في وقف تمرير النموذج المتخيل أميركياً؟ بداية وبعيداً عن الشعارات الفضفاضة، التي على ما يبدو ومن خلال الصورة المأساوية لا تجد لها مكاناً في الآذان أو القلوب والعقول، بأنه من المبكر القول بأن الولايات المتحدة قد وصلت الى ما سعت اليه، وأنها لا تزال في غمرة التحديات المذهلة، خاصة اذا ما علمنا أنها استخدمت الكثير من قوى المعارضة كجسر يشرعن وجودها لبغداد، لتلقي بعد ذلك بهذه القوى على شواطئ المحيط الأطلسي لتستفرد بالعراق بهدف بناء النموذج الذي لا يسمح بطبيعة الحال لهذه القوى المشاركة به على الاطلاق. الأمر الذي من شأنه أن يخلق الكثير من الكوابح، لا بل من العوائق الجمة، خاصة وأن هذه القوى المقذوف بها على شواطئ الأطلسي تمتلك ركائز اقليمية لا يمكننا الاستهانة بها، وأن تجاهلها سيخلق حالة من الصراعات الكبيرة والتي ستفاجئ الجميع. أضف الى ذلك أن ثمة قوى كانت خارج كل التوليفات الحزبية المطروحة بداية من مؤتمر صلاح الدين مروراً بمؤتمر لندن وانتهاء بدخول بغداد لا تزال خارج كل هذه التشكيلات والتركيبات، كانت ولا تزال معركتها مؤجلة، أي بعد سقوط النظام، ومن ثم ستتحمل مسئولية الدفاع عن العراق منطلقة من أن النظام والقوات الأميركية من ذات الطبيعة الواحدة، لكن السبيل الى عملية المواجهة رحيل النظام. وقد تكون هذه القوى تمثل حجماً كبيراً في أوساط المجتمع العراقي، خاصة الوسط الشيعي وقد بدأت بوادره في اعلان ما يسمى بحزب الله العراقي البدء بالعمل العسكري ضد الغازي منذ اليوم الثالث لبدء العدوان؛ أي أن العراق لن يكون لقمة سائغة كما يحلو للبعض القول وأن الكثير من المجموعات الحزبية الوطنية والاسلامية ترى في الوجود الأميركي احتلالاً للعراق، رغم الظواهر التي شهدناها في العديد من المدن العراقية التي حملت ثأراً من صور الرئيس العراقي المغيب، والتي كانت نتيجة لحالة الظلم والكبت المفروضة بسبب غياب الحرية. أما ما يخص الموت الأبدي، فالموت الأبدي لفظة تطلق على الأفراد أو الجماعات الحزبية أما موت الشعوب فهذا أمر شبه مستحيل، حتى الهنود الحمر لا يزالون على قيد الحياة رغم حالة الابادة الجماعية التي مورست ضدهم في الولايات المتحدة ذاتها، وأن الشعب العراقي يمتلك الكثير من المقومات لبقائه على قيد الحياة باعتباره جزءاً لا يتجزأ من هذه الأمة، وأن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تفرض نفسها كقوة احتلال على الاطلاق، واذا ما حلمت بفرض وجودها كقوة احتلال فهذه العملية ذاتها ستكون بداية موتها، خاصة اذا ما علمنا أن الامبراطوريات تبدأ بالانهيار بعد أن تتحول الى قوة احتلال كونية. أما ما يخص الأمة، فعلى الرغم من التقاعس العربي الرسمي، الا أن النظام العربي بدأ يدرك جيداً، بأنه مستهدف وأن تجربة النظام العراقي ستساق بشكل ميكانيكي على كافة الأنظمة خاصة بعد أن ترفض تعميم النموذج المزمع بناؤه أميركياً في العراق، وهذا النموذج في حال تعميمه سيفقد هذه الأنظمة جزءاً كبيراً من استقلاليتها، لذلك النظام العربي أصبح مضطراً لرفض النموذج، لكن شرط الرفض هذا، يرتب على النظام العربي رفض أي نظام انتقالي، باعتبار أن هذا النظام خارج عن الشرعية الشعبية، انطلاقاً من ذات الشعارات المطروحة أميركياً وليس غير ذلك. اضافة الى ضرورة التمسك العربي ومن خلال موقف جماعي ضرورة البحث في آلية انتخابية تعبر عن الارادة العراقية قبل أي شيء، وبما يؤسس لانسحاب القوات الغازية. لكن شرط هذه العملية العودة الى تأكيد شرعية جامعة الدول العربية مرة أخرى باعتبارها المنظمة الاقليمية العربية التي لا يمكن المساس بها، كما يجري هذه الأيام من قبل الولايات المتحدة لاضعافها كمقدمة لتغييب دورها. ختاماً، بعيداً عن التفاؤل والتشاؤم يمكننا الزعم ومن خلال المتوفر من المعلومات بأن العراق سيشهد صراعاً لا يقل سخونة عما شهده الاميركان في فيتنام وأن الأيام القادمة ستكون مليئة بالمفاجآت المذهلة، وأن محاولة استبعاد المرجعيات الدينية والحزبية يعتبر بحد ذاته بداية الصراع الدامي مع الوجود الأميركي، وأن مظاهر الجوعى ليست مؤشراً على القادم في العراق. ـ كاتب فلسطيني