الاحد 11 صفر 1424 هـ الموافق 13 ابريل 2003 ان تكون عراقياً اليوم يعني ان تكون قمة في اختلاط المشاعر المتناقضة والمتشابكة والمتداخلة. هذا ما يعبر عنه الكثير ممن تلتقيهم من ابناء الشعب العراقي في بلدان عديدة في العالم ومنها ايران، فهم فرحون، حزينون، راضون، غاضبون، موافقون، معارضون، متلقون باسترخاء لقدر يخافون منه في الوقت نفسه ولسان حالهم يقول في الغالب: «ليت ما حصل قد حصل من زمان وعلى ايدينا نحن». سيدة عراقية تسكن «دولت آباد» وهي ناحية نائية من نواحي طهران الجنوبية نقلت مشاعرها لي وهي تلاحق نبأ اختفاء نظام صدام حسين من بغداد عبر شاشات التلفاز بالقول: «منذ 24 عاماً حيث غادرت العراق قسراً، وانا انتظر يوم سقوط صدام حسين عن طريق انقلاب عسكري أو اغتيال ضابط معارض له او ثورة شعبية، انتظرت ذلك بفارغ الصبر فلم يحصل، ولما بدأت الحرب الاميركية ضد بلادي خفت، وحاولت ان اكون ضدها لكن مشاعر متناقضة حاصرتني، منها ما يقول لي، لعل في الامر خير، وعسى ان تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، ولما قد قالوا لنا بانها حرب نظيفة لا تستهدف اهلنا بل تستهدف الاطاحة بالنظام فقط! تراجعت بعض الشيء عن معارضتها لكن ما ان بدأت الحرب وبدأت انباء المجازر تصل اسماعي حتى صرت اخاف حقاً على العراق واهله واتعاطف معهم الى درجة دفعتني الى حافة التعاطف مع النظام! ظناً مني انه بدأ يقاتل العدوان بجد، ولكن ما هي إلا ايام حتى استيقظت على أنباء اختفائه «الدراماتيكي»! دون تفسير واضح أو معلوم!.. وتتابع السيدة بقلق واضح وعتاب اكثر وضوحاً يشمل جميع الاطراف المتحاربة بالقول: «اذا كنتم تريدون ان تعملوا صفقة ما! فلماذا لم تعملوها منذ البداية؟! ودون اراقة كل هذه الدماء أو اذا كنتم تريدونها حرب استعراض عضلات فقط، فلماذا لم تعملوها بطريقتكم الخاصة المعروفة في تخويف الانظمة وتدمير قدراتها دون التضحية بالشعب العراقي؟! وانت ايها النظام الباسل، لو كنت تريد الاختفاء بهذه الطريقة فلماذا لم تسلم منذ البداية بشروط الغزاة؟! وانت ايتها المعارضة اذا كنت غير قادرة على انزال تمثال للرئيس المخلوع من دون الدبابة الاميركية او عقد اجتماع فوق الارض «المحررة» من دون ارادتهم فلماذا كل ذلك الصخب الذي صم آذاننا طوال عقود؟!! انهم فرقونا ـ اي وزعونا كما هو المعنى باللهجة العراقية ـ مثل خبز العباس أو خبز المستعجل لغايات انانية خاصة بهم..! وخبز العباس أو خبز المستعجل، هو ما ينذره العراقيون من عمل خير يقومون خلاله بتوزيع الخبز المحشو بالجبنة وبعض الخضار عندما يستجيب الله لدعائهم. لكن السيدة العراقية المهجرة الحائرة في مشاعرها المتناقضة قالت وهي تلملم جراحها: انهم وزعونا نحن بدل خبز العباس ارضاءً لاهوائهم ومصالحهم، فقد ضحى بنا الاميركان من اجل مصالحهم النفطية والحربية، وضحت بنا «المعارضة» التابعة لهم من اجل الوصول السهل للسلطة! وضحى بنا نظام صدام للحفاظ على حياته وحياة عائلته والمقربين اليه! وبالتالي فقد حرمونا حتى فرحة الاحتفال بسقوط الطاغية، بل سرقوها منا، يا ليت الاميركان لم يفعلوها، ويا ليت المعارضة الاصيلة قد نجحت قبل ذلك بفعلها، ويا ليت صدام قد تنحى أو اختفى دون اراقة دماء!!..» انتهى كلام السيدة المعبر عند هذه الكلمات. انه بالمناسبة شعور كل متعاطف حر شريف مع قضية العراق المظلوم، العراق المهدورة كرامته اليوم على يد الاجنبي وطلاب الحروب والجاه والسمعة والتجارة بمصائر الشعوب. العراق المتروك للقدر المجهول، العراق المشوهة صورته على شاشات التلفاز العالمية، العراق الذي تتلاعب فيه ارادات القوى العظمى، العراق المفتوحة ابواب الاحتمالات فيه على المجهول من العنف والعنف المضاد بعد كل الذي حصل فيه. عندما نبهنا قبل شهر من بدء الحرب الى اخطار «عسكرة» العمل السياسي المعارض. وعندما نبهنا مبكراً الى اخطار الاتكاء على الاجنبي في حل معادلات الداخل، وعندما نبهنا الى اخطار اللعب بأوراق المطالبات «الطائفية» أو «العرقية» بالطريقة الساذجة التي قدمت فيها، قيل لنا يومها انك تخدش كرامة العسكر ـ الذين اجتمعوا في لندن بالطبع ـ وقيل لنا انك تتهم المعارضة فيما هي براء منه! وقيل لنا انك لا تفقه ببواطن الامور وعميقها!! اليوم يحكم العالم على ما قلناه وما قالوه وفعلوه! فمن هو الذي اهان الجندي والضابط العراقي الشريف واوصله الى ما اوصله اليه بل واهان معه الكثير من ابناء العراق عندما جعلهم وكأنهم «فقراء ومعوزين» بحاجة الى ماء وغذاء ودواء لا سمح الله؟! واليوم يرى العالم بأم عينه من سلم مفاتيح مقدرات الوطن العراقي الذبيح للاجنبي بعد ان وزع شعبه مثل خبز العباس، وسرق منه حتى فرحة سقوط الطاغية، لسذاجته السياسية والحربية وبأنانيته المطلقة. ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الايراني