الاحد 11 صفر 1424 هـ الموافق 13 ابريل 2003 قبل بدء الحرب العدوانية الأميركية البريطانية على العراق، أطلق كولن باول وزير الخارجية الأميركي تحذيرا بالرحيل للصحفيين الذين جاءوا من انحاء العالم الى العراق لتغطية الأحداث، وكذلك للدروع البشرية الذين وصلوا بغداد تضامنا مع شعبها المحاصر وظنا بأن وجودهم قد يحمي المستشفيات والمدارس من القنابل والصواريخ الأميركية البريطانية. كان هذا قبل اندلاع المعارك، وقبل الصعوبات التي واجهتها قوات الغزو، وفي مناخ يؤكد أن الحرب سيتم حسمها خلال ساعات بعد قتال قصير. وهو قتال تحرص القيادة الأميركية والبريطانية على أن يكون شهوده فقط هم الصحفيون المرافقون لها الخاضعون لتعليماتها. بعد بداية الحرب، بدأت المواجهات بين القيادة الأميركية وصحافة العالم. وكانت الإدارة الأميركية قد أحكمت الحصار على الرأي العام الأميركي ووضعت كافة الاحتياطات حتى لا يرى الأميركيون على شاشات التليفزيون أو على صفحات الصحف إلا ماتريد هذه الإدارة أن يروه. لكن الاختراق حدث رغم الحصار، وتركز في نقطتين أثارتا انزعاج واشنطن.. الأولى كانت صور الضحايا من المدنيين العراقيين وخاصة الأطفال، والثانية صور الأسرى والقتلى الامريكيين التي مررتها السلطات العراقية للفضائيات العربية ليعرف الأميركيون منها ـ وليس من السلطات الأميركية ـ اسماء ابنائهم الذين أسروا أو قتلوا في حرب تفتقد الشرعية. الجانب الآخر الذي أثار انزعاج واشنطن كان نجاح الفضائيات العربية في نقل هذا الجزء من الصورة التي كانت واشنطن حريصة على اخفائه عن الرأى العام العربي. وهو الجزء المتصل بالمأساة الإنسانية التي يعيشها شعب العراق وهو يتعرض ـ بلا حماية تذكر ـ لقنابل الطائرات والصواريخ ذات القدرة التدميرية الهائلة. وهو الأمر الذي أثار الرأى العام العربي والإسلامي والأوروبي لتخرج المظاهرات الهائلة احتجاجا على جرائم الحرب التي ترتكب. حصار الاعلام ومع استمرار الحرب بأكثر مما كانت واشنطن تخطط له، بدأت الإدارة الأميركية في ممارسة كل الضغوط على وسائل الاعلام العربية، كما بدأت في حصار محاولات الصحفيين الأجانب المرافقين لها من أجل استجلاء الحقيقة من الواقع وليس من البيانات الرسمية. وينتهي الأمر بجريمة الثلاثاء الأسود التي هاجمت فيها القوات الأميركية ـ عامدة متعمدة ـ مكتبي قناة الجزيرة وأبوظبي ثم فندق فلسطين حيث كان يقيم الصحفيون العالميون، وتنتهي الغارات بثلاث من الضحايا بينهم زميلنا الشهيد طارق أيوب والعديد من الجرحى في جريمة من جرائم الحرب لا ينبغي أن تجعلنا الأحداث الدرامية بعد ذلك ننسى تفاصيلها أو نتقاعس عن المطالبة بمحاكمة مرتكبيها كمجرمي حرب. وما يثير الفزع هنا هو روح الاستهتار التي تم التعامل بها مع الجريمة من الجانب الأميركي، والاكتفاء بتقديم واجب العزاء والقاء اللوم على الصحفيين أنفسهم لأنهم لم يضعوا أنفسهم في خدمة الجانب الأميركي من بداية الحرب. وهو ماعكسه المتحدث باسم القوات الأميركية في سالدوحةس حين قال انهم مسئولون فقط عن حماية الصحفيين الذي يصاحبون قواتهم أي أن الآخرين يتحملون عاقبة بحثهم عن الحقيقة المطلوب اخفاؤها. لكن مايثير الفزع أكثر هو أن ماوقع يوم الثلاثاء الدامي لم يكن حادثا عرضيا أو متعمدا فقط، ولكنه كان التعبير الأشد وضوحا والأكثر دموية لحالة من العداء للديمقراطية وحرية التعبير صاحبت هذه الحرب التي افتقدت فيها أميركا وبريطانيا للشرعية. وهي حالة لم تبدأ الآن بل انفجرت مع زلزال 11 سبتمبر واستمرت في التصاعد بعد ذلك لتجئ هذه الحرب التي وضعت نشر الديمقراطية ضمن أهدافها المعلنة تجسيدا لحالة فريدة من العداء للديمقراطية وحرية التعبير يصل أحيانا الى حد الاحتقار!! داخل الولايات المتحدة نفسها كانت الحروب تدور، بينما آلة الاعلام الاميركي الرهيبة مسخرة بالكامل لخدمتها تحت شعار ان الوطن في خطر، ولا يجوز في هذه الظروف ان تكون هناك أي معارضة لقيادة الدولة. ولم تغب فقط عن شاشات التليفزيون الأميركي صور الضحايا الأبرياء من أطفال العراق، بل غابت أيضا وجهات النظر العربية فيما يجري، بما فيها تلك الرؤى التي لا تبرئ نظام الحكم العراقي من المسئولية ولكنها تعارض الحرب، بل وغابت أيضا أصوات أميركية عاقلة تعارض الحرب خوفا من تأثيرتها السلبية على المجتمع الاميركي نفسه وترفض أن يساق الشباب الأميركي الى القتل من أجل مصالح شركات البترول. ولم يكن الاعلام بمجمله الا جزءا من حالة أوسع من العداء للديمقراطية يعيشها المواطن الأميركي وسط اجراءات أمن داخلية مشددة وقوانين للطوارئ صدرت بعد 11 سبتمبر أتاحت أن يصل عدد السجناء المعتقلين في أميركا الآن الى مليونين لتصبح الدولة الأولى في العالم في هذا المجال متفوقة على دول العالم الثالث بمراحل! وفي ظل هذه الحالة الهستيرية يصبح طبيعيا ان يتم اعتقال الآلاف من الأميركيين ذوي الأصول العراقية اثناء الحرب، في تكرار لتجربة فتح المعتقلات للأميركيين ذوي الأصول اليابانية اثناء الحرب العالمية الثانية، وهي الجريمة التي مازالت تثقل ضمير الأميركيين حتى الآن. ضحية الحرب وسط هذه الحرب الهستيرية كانت الحرب التي قيل من بين أسبابها أنها ستقدم نموذجا للديمقراطية، ومعها انفتح الباب امام سيل من الاسئلة حول الديمقراطية المفترى عليها والتي يخشى الكثيرون في أميركا والعالم أن تكون هي الضحية الأولى لهذه الحرب. ـ هناك الآن سؤال مركزي حول عملية اختطاف القرار الأميركي. نعم هناك توحد في أميركا والعالم حول حتمية التصدي للارهاب بعد أحداث 11 سبتمبر، بل وهناك من يحمل الادارة الأميركية مسئولية التقاعس عن هذه المهمة قبل 11 سبتمبر ويطالب بفتح الملفات المغلقة للتحقيق في هذه المسئولية. لكن السؤال الذي يتم طرحه الآن هو: لماذا نترك التصدي للارهاب الحقيقي لكي نذهب لاحتلال العراق الذي لم يثبت ان له علاقة بأحداث 11 سبتمبر ولا بتنظيمات القاعدة أو طالبان التي كانت على أوثق صلة بالمخابرات الأميركية نفسها حتى وقعت الواقعة؟! وتجئ الحقائق لتكشف أن قرار الحرب على العراق قد تم اتخاذه منذ خمس سنوات، اتخذه فريق تشيني ورامسفيلد وبيرل وشركاؤهم في التحالف اليميني الصهيوني وأرسلوا للرئيس السابق كلينتون مطالبين باحتلال العراق لاظهار عزم اميركا ان يكون القرار الجديد اميركياً كما جاء في مذكراتهم التي تردد كلينتون في الأخذ بها مكتفيا باصدار «قانون تحرير العراق» الذي اعدته نفس الجماعة، والذي أصبح تنفيذه بعد ذلك قضية وقت ليس الا. ولم يطل انتظار الصقور حتى جاء بوش الابن الى البيت الأبيض، ليدخلوا معه ويحتلوا مركز اتخاذ القرار، ويحاصروا كل عناصر الاعتدال في الادارة الجمهورية، ثم تجئ أحداث 11 سبتمبر فتعطيهم الفرصة كاملة ويكون قرارهم هو أن الرد هو ضرب العراق، وحتى ان سبقه ـ من باب الضرورة ـ ضرب افغانستان. ويصبح الهدف هو تأكيد العزم على أن يكون القرن الجديد أميركيا، وليس محاولة منع الارهاب ولا نشر الديمقراطية ولا الدفاع عن الحريات! ويصبح السؤال الجوهري: هو كيف استولى هؤلاء على القرار الأميركي؟ وكيف تم استغلال أحداث 11 سبتمبر لتنفيذ مخططات مسبقة بعد أن تم شل الكونغرس الأميركي ومحاصرة العملية الديمقراطية لصالح هؤلاء الذين سيطروا على القرار الأميركي وليس بينهم من جاء بالانتخاب ولا من طرح رؤيته اليمينية المتطرفة ـ بكل مخاطرها ـ على التصويت؟! ـ ثاني الاسئلة يأتي من خارج أميركا أكثر من داخلها. فإذا كانت الحرب على العراق قد وجدت الكثير من المعارضة من الرأى العام الأميركي قبل بدايتها، فإن الصورة كانت في بريطانيا واسبانيا أوضح بكثير، فهناك كانت الاغلبية العظمى من الشعب تعارض الحرب وترفض كل مبرراتها، ومع ذلك سارت الحكومتان في طريقهما وشاركت حكومة بلير في العدوان واكتفت اسبانيا بدور الكومبارس السياسي. بالطبع.. فإن الرهان هنا على المكاسب الاقتصادية التي تتوقع الحكومتان الحصول عليها من «كعكة» تعمير العراق، حتى وان كان ماسيحصلون عليه هو ما «تتصدق» به أميركا التي أعلنت نيتها الاستحواذ على الصفقة كاملة. ومع ذلك يبقى التساؤل: هل ستنجح هذه المكاسب (اذا جاءت) في اقناع الملايين من ابناء الشعبين في بريطانيا واسبانيا بأنهم كانوا على خطأ وأن قياداتهم «الملهمة» «كانت على صواب، أم أن انتهاء الحرب (وربما تواضع المكاسب الاقتصادية بعد استحواذ أميركا عليها) سيعيد فتح الملف من البداية ليكون السؤال: كيف فشلت الديمقراطية في منع هذه الحرب؟ وكيف فشلت الملايين في ترجمة موقفها الرافض الى قرار ملزم لحكوماتها؟ ثم ماهو المطلوب حتى لا يتكرر هذا الموقف الذي قد يكون مر بدون خسائر جسيمة هذه المرة.. ولكن من يضمن كيف يكون الحال في مرة قادمة قد يكون الهدف منها سوريا أو ايران أو ربما قوى أكبر اذا طبقت أميركا نظريتها في الحرب الاستباقية ورأت أن هناك خطرا محتملا في الهند أو الصين أو غيرهما؟ ـ أما ثالث الاسئلة فيتم طرحه عبر الحقيقة التي افتقد فيها القرار الأميركي البريطاني للشرعية الدولية بعد الفشل في الحصول على موافقة مجلس الأمن. ثم الموقف العاجز للأمم المتحدة بعد بدء الحرب، حيث وقفت المنظمة الدولية تتفرج على مايجري، وتبحث في توفير المساعدات الإنسانية لضحايا الحرب بدلا من التنديد بالحرب والتصميم على وقف القتال. والمشكة هنا ذات وجهين: أولهما الاحتقار الشديد الذي تبديه الادارة الأميركية للمنظمة الدولية فينبغي تركها للدولة الأعظم وحدها. النموذج الأميركي والوجه الثاني الذي ظهر بشدة أثناء هذه الأزمة هو الاستخدام الهائل لسلاحي الترغيب والترهيب مع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، خاصة في ضوء حساب المكاسب الاقتصادية المنتظرة بعد احتلال العراق، والتي مكنت الادارة الأميركية من اقرار الاعتمادات اللازمة للحرب ومن بينها المبالغ المخصصة لرشاوى الدول الصغرى، كما مكنت الادارة الأميركية من استخدام الشركات العملاقة للتأثير في قرار الدول الكبرى. وكانت النتيجة هي تعطيل المنظمة الدولية عن العمل، وتحولها الى شاهد عاجز عن التحرك، بل وعاجز أيضا عن الكلام، بينما الحرب تدور والآلاف من الضحايا يتساقطون. ويبقى السؤال الاخير عن هذا «النموذج الديمقراطي» التي أعلنت واشنطن أنها ستقيمه في العراق ثم تقوم بتصديره الى باقي الدول العربية، فمنذ متى كانت الديمقراطية يتم فرضها بالقنابل وعلى جثث الشعوب؟ ومنذ متى كانت واشنطن حريصة على بناء الديمقراطية في العالم العربي؟ وكيف سيتم بناء الديمقراطية في العراق وهو تحت حكم الجنرالات الأميركين، وهل سيختلف «النموذج» الأميركي هنا عن النموذج الذي تم بناؤه في افغانستان، أم أن الشعب العراقي العظيم سيجبر تحت حكم الجنرال جارنر على «الاستمتاع» بديمقراطية كتلك التي «يتمتع» بها الشعب الفلسطيني وهو في أسر الجنرال شارون وعصابة السفاحين الاسرائيليين؟ اسئلة تستحق أن نناقشها طويلا، وان يطرح الجميع رؤاهم حولها، ولكنها لا تنسينا لحظة أن بغداد الآن تحت الاحتلال، وان القوات التي احتلتها تصوب مدافعها الآن نحو دمشق، ولا عزاء لنا.. أو فينا! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية