الاحد 11 صفر 1424 هـ الموافق 13 ابريل 2003 ماذا حين يتحرر الكاتب من ضميره؟ ويصبح بوقا من ابواق السلطة الاستبدادية، وينتقل من دور قيادة المعارضة الفكرية التي يعد ابرز رموزها الحاملين لواء الدعوة الى تطبيق المعايير الاخلاقية في ادارة المشكلات والتعامل مع الاختلاف في وجهات النظر الى دور المحامي الجسور عن جرائم الفكر المادي دون حياء او خجل؟ لا يشك عاقل ان الكاتب لدى كل الامم والشعوب هو رمز من رموز التنوير، وأحد خطوطها الدفاعية التي تحفظ للامة توهجها الفكري، وانطلاقتها نحو الامام، كما تمنع كتاباته النابعة من ضمير الامة ومبادئها العليا حدوث اختراقات في الفكر او السلوك، ويؤدي دوره النقدي الى مضاعفة رصيد الافراد من الوعي بواقعهم وبمسئولياتهم ازاء تغيير ذلك الواقع. وفي حال انحياز الكاتب الى مصالحه الضيقة، ومقايضته لضميره ببعض المكاسب المادية السريعة فإن ذلك سيؤدي الى المزيد من الانتهاكات الصريحة للحقوق، والاستخفاف بأرواح المستهدفين من قبل النظام الجائر الذي اصبح الكاتب احد اركان حكمه، وابرز شركائه المؤيدين لبغيه وعدوانه. وما زالت الذاكرة الغربية تحتفظ بآراء متطرفة لمشاهير الكتاب ممن انحازوا الى مواقف حكوماتهم بغض النظر عن مدى الانحراف في تلك المواقف السياسية التي لا كيل لها ولا ميزان. فارنست همنغواي الكاتب الاميركي كان يطالب بتعقيم الالمان بشكل جماعي للقضاء على العنصر الالماني. ولنا ان نتساءل عن الكوابح التي ستمنع الاستبداد الغربي في ظل وجود كتَّاب يزيدون النار اشتعالا، ويقرعون طبول الانتقام من الآخر واستئصاله!! ان اخطر ما يترتب على انحياز الكاتب الى المواقف المتطرفة المنادية بتعميم الانتقام من الاعداء هو اضفاء شرعية على الانحراف، والتلبيس على العامة، واستغلال ثقتهم بالكاتب لتمرير المشاريع العنصرية دون ان تواجه بالرفض او المقاومة!! ومن ابرز الكتاب المؤيدين لفكرة الانتقام من الآخر كليفتون فاديمان الكاتب والاديب الذي لم يتوان عن شن حملة كراهية ضد اعداء الولايات المتحدة، وتحديداً ضد المانيا حين قال: «الطريقة الوحيدة لان يفهم الالمان ما نقول لهم هو قتلهم.. فالعدوان النازي لا تقوم به عصابة صغيرة، وانما هو التعبير النهائي عن اعمق غرائز الشعب الالماني، فهتلر هو تجسيد لقوى اكبر منه، والهرطقة التي ينادي بها هتلر عمرها 2000 عام». ويتمادى الكتاب الغربيون على اختلاف مذاهبهم الفكرية في قيادة حملة الكراهية ضد الآخر، سواء كان ذلك الآخر من داخل القارة الاوروبية نفسها او من خارجها. ومن الامثلة الشاهدة على الاطاحة بفكرة التمييز بين المذنب والبريء حين تطبق العقوبات ما صرح به فلاديمير جابوتنسكي عام 1934 بأن مصلحة اليهود تتطلب الابادة النهائية لالمانيا: «فالشعب الالماني بأسره يشكل تهديدا لنا» على حد تعبيره. لقد اجتاحت اوروبا في فترة الاربعينيات من القرن الماضي حمى التحريض لممارسة ابشع ألوان العنف ضد شعوب بأكملها وليس ضد من تورطوا في اعمال عسكرية ضد الدول المجاورة. والمؤسف ان ذلك الفكر المريض الذي انتشر بين الساسة وكثير من الكتّاب قد اصبح جزءاً من الموروث الثقافي لتلك الشعوب المتفوقة ماديا، الامر الذي ادى الى ان تتقلص مساحة اللقاء بين ذلك الفكر المتحيز لعقيدته السياسية وبين المخالفين له في المعتقد أو الجذور. وها نحن اليوم نرى كيف تصفى الخلافات وتدار الازمات بين القوى الكبرى وبين خصومها الذين تعاملهم اليوم بنفس منطق الامس دون ان يطرأ اي تغيير على تلك الروح المتعطشة لتحطيم الاخر وكسر ارادته.