السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 فصل جديد انتهى من تاريخ هذه الامة وبدأ فصل جديد، بعد انتهاء الجزء الاول من الحرب على العراق. الان وقد انتهت او شارفت على الانتهاء عملية «سلامة اميركا» من تهديد العراق لها! يبدأ الفصل الثاني الذي يتمثل بالتعبير العسكري في «تأمين» العراق. لكن «التأمين» هنا ليس عسكريا بقدر ما يعني ان عملية تغيير شاملة ستبدأ الان عبر تطهير عقول ووجدان العراقيين من تاريخهم. وسلخ جلدهم ونزعهم من ثقافتهم وتزيينها بمكياج الثقافة الاميركية باعتبارها الحرية المفقودة في ارض الرافدين، وعلاجا لصداع «الشقيقة» الذي يعاني منه شارون الذي اشتكى لبوش عدة مرات منه. اليوم تعلن بغداد غيبتها لتخلع طاقية الجواهري ومعطف الرصافي وترتدي بدلا منها قبعة وجينز الكاوبوي، ولتبيع شعر السياب بأغاني مايكل جاكسون وافلام رامبو. بغداد لن تقرأ المتنبي ولن تأكل التشريبة ولن تشرب الشاي، بعد ان تسود ثقافة جيمس بوند والكولا والبرغر. غدا يطل تلفزيون العراق المتوقف حاليا عن البث بمشهد جديد يبدأ بأخبار ونشاطات الرئيس الاميركي جورج بوش ووالده ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، يعقبه برنامج عن نشاطات بعثة يهودية تحفر في ارض بابل بحثا عن آثار السبي، ثم برنامج بالبث المباشر من مراقص لاس فيغاس، قبل ان تبدأ السهرة مع افلام البالغين، استكمالا لمشهد التغيير في بناء «وطنية» عراقية جديدة. ولا تخرج عمليات النهب والتدمير الجارية حاليا تحت حراسة القوات الاميركية عن سياق التغيير الشامل، وهي تبدو احدى مراحله باعتبارها «عدالة» كما وصفها قائد عسكري اميركي كبير، فالقوات الاميركية وبعد ان دمرت مقدرات الجيش العراقي والمصانع والبنية التحتية بالقصف تتابع تدمير ما غنمته من الجيش العراقي المنحل، وفيما مجموعات اللصوص وقطاع الطرق تنهب المدن والمؤسسات الحكومية، تقوم الشركات الاميركية بنهب الثروات بعقود اعادة الاعمار ليكتمل مشهد سبي الانتقام. لقد اطلق العرب على حرب عام 1948 النكبة وعلى حرب 1967 النكسة، اما اليوم فأي اسم سيختار العرب لحرب نتائجها اكبر من كل النكبات والنكسات والهزائم. حين سقطت فلسطين اجتاح الشعور القومي امتداد الوطن العربي، ووصل ذروته في حرب العام 1967 وما تلاها، اما حرب اليوم فقد شهدت سقوط هذا الشعور قبل سقوط بغداد، بعد التباري في الانسلاخ منه. يقال ان ثلاثة انذال تباروا فيمن اكثرهم نذالة، فصادفوا سيدة في الشارع فتقدم الاول واوسعها ضربا متوهما انه سيكون الفائز، وتقدم الثاني فجردها من ثيابها، وتوهم ايضا انه سيكون الفائز، فيما كان الثالث يقف واثقا من فوزه رغم انه كان متفرجا، وبالفعل اعترف له الاثنان بالفوز عندما اخبرهم ان تلك السيدة هي امه، ففاز عليهم بصمته وفرجته. «سلامة اميركا» في العراق تبدو مثل «سلامة اسرائيل» في لبنان في العام 1982، وان تعاظمت الاهداف في العراق، واكبر تشابه بين العمليتين هو تنصيب نظام موال، لكن ارادة الشعب اللبناني افشلت المخطط بمقاومة غير متوقعة لا من الاصدقاء ولا من الاعداء، وربما كان التشابه في الهدف املا للتشابه في المقاومة من الشعب العراقي الذي لا يختلف نسيجه عن الشعبين اللبناني والفلسطيني في رفض اي وجود اجنبي على ارضه.