السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 يكاد المشهد لا يختلف كثيرا بين نهايات حرب الخليج الثانية ونهايات العدوان الأميركي البريطاني على العراق من حيث المأساة الانسانية والاساءة للعرب.. كل العرب. فعندما أوشكت الحرب الثانية على نهايتها وثار بعض العراقيين بايعاز اميركي، حدثت فوضى عارمة ونزوح ونهب بادر الاميركيون فورا الى ارتداء ثوب المنقذ وراحوا يلقون على الثائرين الجياع بلفافات الطعام والأغطية من الطائرات ومن الشاحنات. وحرصوا أن يتم ذلك كله وسط حضور كثيف لكاميرات التلفزيون ـ خاصة الغربية منها ـ لتلتقط ما يناسبها من مشاهد التقاتل من اجل الحصول على وجبة طعام أو زجاجة مياه. وفي الحرب الجديدة كانت الكاميرات ذاتها ايضا حاضرة لتصوير نفس المشاهد في كل المدن العراقية. كما كانت حاضرة ايضا لتصوير مشاهد الفوضى وما ينجم عنها من نهب وسلب للمنشآت العامة. في كل المشاهد التي افرزتها الحربان (الثانية والثالثة) كان العرب هم الخاسرون بينما كل المكاسب حصدها الغزاة. فالعرب ظهروا جائعين ناقمين فوضويين. كل فرد فيهم لص صغير لا يتورع عن نهب اي شيء تصل اليه يده حتى ولو كان شيئا يخصه مع عامة الناس. أي ان العربي يعلن عن طبائعه وصفاته بمجرد انتهاء سطوة السلطة التي اعتادت ان تقمعه واعتاد هو على قمعها له، فهو ـ وفق الدارونية الغربية ـ فوضوي كمواطن.. متسلط كحاكم .. ولص في الحالتين. وهذا ما حرص الغزاة على تقديمه وتسويقه ـ بالصوت والصورة ـ لشرعنة وجودهم أو حضورهم الى هذه البلاد التي جاءوها، مع ان الغازي بطبعه لص جاء ليسرق وطناً وليس لسرقة مزهرية أو كرسي من مكتب حكومي مثلما فعل بعض العراقيين. وهكذا يحاول الأجنبي القادم من وراء المحيطات أن يقنن ويسوق سرقته لدولة كاملة بترابها وهوائها وبترولها عبر تشويه صورة أصحاب الأرض وتقديمهم الى الاخر كلصوص، مما زاد العرب جميعا تشويها على تشويه. وقد تكون هذه المشاهد حقيقية او تكون مصطنعة وفق سيناريو أميركي بريطاني معد سلفا ـ وأغلب الظن انها مصطنعة بالتحريض ـ ولكن هذا ليس مهما لأن من تسول له نفسه سرقة الممتلكات العامة على الهواء مباشرة وأمام الكاميرات لا يهمه ماذا يقول الناس عنه، فكل ما يهمه هو الاستحواذ على مراده الذي قد لا يكون ضروريا له على الاطلاق ولكنها روح الانتقام أو صفات الغوغاء. وهؤلاء الغوغاء موجودون في كل مجتمع. فهم في بريطانيا مثلما هم موجودون في العراق، وهم أيضا في واشنطن ونيويورك مثلما هم في بغداد والبصرة، ولكن الأضواء كانت أكثر سطوعا في مدن العراق والكاميرا كانت حاضرة بقوة وفق ما أراد الأميركي الذي جاء بدبابة مسلحة بمدفع وكاميرا. واذا كانت الكاميرا الأميركية قد أدت دورها الى جانب المدفع ـ ولا تزال ـ على أكمل وجه في العراق، فان اغلاق العدسة ـ ولو مؤقتا ـ لا يعني ان المشاهد سوف تتوقف عند هذه اللقطة. فليس هناك ما يمنع هذه الكاميرا ذاتها من أن تمارس لعبتها في مواقع عربية اخرى. وليس بالضرورة ان تكون داخل العراق، لكن ربما خارجه. فالنصر المجاني الذي حققته العسكرية الاميركية في بغداد يشجع على تكرار نفس المشاهد بسيناريوهات مماثلة أو متغيرة قليلا في مواقع اخرى على الخارطة العربية الهشة والممتدة وسط الفراغ والعجز. لقد أثبتت كارثة العراق أن ان الخارطة العربية مهترئة تماماً بفعل القهر الذي نحت عظام الفرد العربي مثلما نحت عظام وكرامة الفرد العراقي. وهذا ما يستحق الوعي به. فكل الصمود العراقي الذي تجلى في مدن الجنوب وفي الغرب انهار تماما مع بلوغ القوات الاميركية والبريطانية أسوار بغداد ليس لأن بغداد أقل وطنية من مدن الجنوب، بل لأن بغداد كانت رمز السلطة.. والسلطة في كثير من بلادنا عادة ما تكون رمز القمع ورمز الظلم وأحيانا رمز الخيانة. إن حال بغداد وهي ترفع رايتها البيضاء كان قاسياً على الأنفس، فالكاميرا التي كانت حاضرة بقوة سجلت هذا السقوط المريع ولتفتح شهية العسكرية الأميركية للتوجه نحو عواصم عربية اخرى وهو ما لم تكذبه تهديدات تجار الحروب في واشنطن ولندن. عدسة الكاميرا مفتوحة الآن بكل امكاناتها على بقاع عربية أخرى، ومفتوحة ايضا على احباطات الواقع العربي المتجه الى هزائم جديدة وعجز أشد استحكاما و افظع في ديكتاتوريته وتسلطه، ولكن هذا كله ممكن ان يسقط في ظل مراجعة صادقة للذات، فالهزائم ليست قدرا محتوما على العرب دون غيرهم من أمم الأرض. وليس قدرا أن يعيش العرب محاصرين بين الديكتاتور المحلي والمستعمر الخارجي، فالمؤكد وجود طريق ثالث لم نطرقه ولم نبحث عنه وعلينا اكتشافه، وربما تتعدد الطرق بتعدد الاجتهادات. ان الحزن العربي على سقوط بغداد يملأ الحاضر والمستقبل. وكأن بغداد كتب عليها ان تسقط بلا مقاومة، وبلا ثمن يدفعه الغزاة منذ هولاكو، وكتب عليها ان يكون صدام حسين على شاكلة المستعصم، وابن العلقمي، بينما يدفع كل عربي ثمن هذه الملهاة العراقية من حاضره ومستقبله ومن كرامته ودمه لعشرات أو ربما لمئات السنين.