السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 لحظة حقيقة عاشها العالم يوم الثلاثاء الماضي حينما استهدفت الآلة العسكرية الاميركية مدنيين لا يحملون غير قلم وميكروفون وكاميرا وحفنة امل في ان يتوقف ذلك العبث «الحيواني» وان تكتفي آلة الحرب بالارواح التي حصدت والمدن التي دمرت وابتسامات الاطفال التي قتلت. هذه حرب ضد البراءة ضد حسن النوايا، ضد الحقيقة حينما تكشف عن ساقيها وهي مذهولة من غول التوحش ولذلك كان مطلوبا اسكات صوت نفر من الناس ينقلون وقائع هذه الحرب وبشاعاتها لمن يهمه الامر، ولمن حافظ على الرمق الاخير من ضميره الانساني وحاول رؤية الحقيقة وسط دخان القنابل وغبار الابنية المدمرة. الصحفيون الشجعان الذين ذهبوا الى بغداد هم اعدى اعداء اميركا.. لذلك فان رؤوسهم مطلوبة بنفس القدر الذي تطلب به رؤوس اركان النظام العراقي. فالمعادلة التي كانت اميركا بموجبها تقبل وجود الصحفيين اختل الطرف الاهم فيها. كان يراد لعدسات التلفزيون ان تنقل مشاهد ترحيب المواطنين العراقيين بالجنود الانجلوسكسون.. ظلت الكاميرات تذرع بغداد جيئة وذهابا بحثا عن عراقي في العاصمة لا يحمل سلاحا في وجه هؤلاء الجنود.. فلم تجد.. الذين كان يفترض ان يرحبوا بالغزاة لا وجود لهم، واذا امكن للروايات الشفهية ان تخترعهم، فلا يمكن للعدسات ان تفعل ذلك. اميركا بحاجة الى شرعية.. لم تتمكن الحصول عليها من مجلس الامن، فتذرعت بشرعية اخلاقية، ولانها غير معهود عليها التمسك بالاخلاق سقطت في اول اختبار، فحاولت اختراع شرعية اعلامية يشرف على تنفيذها مكتب «التضليل الاستراتيجي» الذي استحدثه رامسفيلد في البنتاغون، غير ان الادارة الاميركية فشلت ايضاً، وكان يمكن لمشاهد الترحيب بالجنود من قبل العراقيين ان تكون ورقة التوت الاخيرة التي تستر العورة، غير ان اوراق التوت احترقت بفعل القنابل العنقودية العمياء التي لا تفرق بين عسكري ومدني، بين طفل بريء ومحارب جريء، بين شيخ مسن يحتاج لمن يعينه على دخول مكان آمن وبين احزانه وقهر حريته التي ادعى القادمون من شيكاغو وتكساس انهم قادمون لقتلها. كنا نتابع الاخبار العاجلة حينما سخر احد الزملاء من عبارة «استشهاد صحفي اسباني» مستكثرا ان توهب الفاظ الشهادة للاسبان، غير ان الموت من اجل الحقيقة هو استشهاد ايا كانت ديانة صاحبه.. ما هو الفارق بين موت ناشطة السلام الاميركية راشيل كوري وبين موت محمد الدرة. من الناحية الانسانية موت الأولى مجلل بالفخر، فموت شخص يدافع عن وطنه موت نبيل، وموت شخص يدافع عن الانسانية اكثر نبلا.. موت يجعل الانسان اكثر قربا لإنسانيته المغدورة وآدميته المفترى عليها. اثنا عشر صحفيا ماتوا في حملة «حرية العراق» وعشرات غيرهم جرحوا. وموت هؤلاء ينقل المعركة من اراضي العراقيين الى اراضي الضمير الانساني الذي اريد اغتياله بالمدافع كما بالكلمات، وبالجنود المصمومة آذانهم الا عن الاوامر العسكرية كما بالاتباع الذين ينفذون خطة غسيل دماغ هي الابشع من نوعها في العصر الحديث. هؤلاء ابطال بحق.. ماتوا من اجل الحقيقة.. من اجل الا ترتكب اميركا ابشع البشاعات ثم تروي لنا رواية مفبركة عن اولئك الشياطين الذين استهدفتهم في ارض العراق.. وكيف كان الجنود الاميركان ملائكة يرفرفون بأجنحة ينشرون الحرية والعدل، فيما نحن قاعدون هنا لا نشاركهم ذلك العمل الانساني غير المسبوق. فضحت العدسات حقيقة ما يجرى. وصورت لنا الحقيقة عارية.. الجنود المحررون.. غزاة مثل اي غزاة على امتداد التاريخ.. يحرقون الارض التي يمشون عليها.. يدمرون في طريقهم البيوت ويقتلعون الاشجار ويقتلون الاطفال، ويحرقون الكتب، ويسيلون دماء المدنيين الطاهرة الذكية مثلما فعل الهكسوس والتتار والصليبيون والبرتغاليون والانجليز والفرنسيون والاسرائيليون. واميركا على استعداد ان ترتكب سلسلة من اعمال القتل كي تخفي جرائمها، بالضبط كما فعلت المافيا الاميركية التي قتلت كيندي، فقد قتل القاتل، ثم قتل قاتل القاتل، ثم اختفى القاتل الاخير في السلسلة او تبدد، وربما اذيب في حمض كي يظل القاتل الحقيقي بمنأى عن الاتهام. آلية القتل المتسلسل هذه هي ذاتها الآلية التي تنتهجها ادارة الرئيس بوش، فهي تقتل العراقيين وتقتل الشهود الذين رأوا قتلهم بأم اعينهم، وربما تقتل في اوقات لاحقة اولئك المسئولين عن اذاعة هذه اللقطات.. وفي النهاية يرفع المتحدث العسكري لافتة الخطأ.. وربما يتطوع البعض بالقول انهم اشبه بضحايا النيران الصديقة.. لكن النيران هده المرة صديقة جداً. نحن اذن في مواجهة هامان جديد.. هامان اسطوري.. رأسه عند الغيوم واقدامه تدهس القلوب البريئة وتسمل العيون التي تحاول ان ترى.. ولو شعاعا من الحقيقة.. لذلك اطالب كل الجهات الصحفية المشرفة على جوائز ان تخصص جوائزها هذا العام لأسماء هؤلاء الابطال.. الذين لم يقولوا لا لاميركا.. وانما قالوا نعم وفضحوا ممارساتها بالصوت والصورة.. فضحوها بما نقلوه من تقارير في موقع الحدث وفضحوها بموتهم النبيل..