السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 لم تندلع الحرب على العراق بمحض الصدفة وليست كما يدعي البعض انها نتيجة تصفية حسابات سابقة بين الادارة الاميركية، ونظام الحكم في بغداد منذ حرب الخليج الاولى، او كما تروج الدوائر الاميركية انها لنزع اسلحة الدمار الشامل العراقية التي مازال يمتلكها العراقيون. ان هذه الحرب الثالثة اذا جاز التعبير جاءت تعبيرا وترجمة لسياسة اميركية معدة سلفا لتحقيق اهداف بعينها لا علاقة لها بما يسمونه في واشنطن بتحرير العراق، لدرجة ان رجل الشارع في بغداد وغيرها من المدن العراقية التي تتعرض للقصف اليومي يتساءل تحرير من ممن؟ فهذه هي المرة الاولى في تاريخ العلاقات السياسية الدولية بعد الحرب العالمية الثانية التي تقوم فيها قوة احتلال عسكرى بالاعتداء على دولة مستقلة ذات سيادة تحت دعوى تحريرها من نظام حكمها، و مهما كانت التحفظات عليه الا انه شأن داخلى بحت ومحاولة تغييره بقوة خارجية يعد انتهاكا صارخا لقواعد القانون الدولي في هذا الشأن وميثاق الامم المتحدة الذي وظيفته الاساسية اقرار الامن والسلم الدوليين والحفاظ على استقلال وسلامة الدول الموقعة عليه، بل انها سابقة جديدة ان تقوم دولة عضو في الامم المتحدة بعمل منفرد يفتقد الشرعية على النحو الذي نشاهده الان في العراق. وقد يرى البعض ان احداث الحادي عشر من سبتمبر في العام 2001 هي التى جعلت الولايات المتحدة تنتهج سياسة احادية وتضرب عرض الحائط بالعرف والقانون الدوليين، في حين يرى البعض الاخر ان السياسة الاميركية الانفرادية تعود الى مرحلة مابعد سقوط الاتحاد السوفييتي. وفي تقديرى ان استراتيجية الامن القومي الاميركي الجديدة قد تحددت ملامحها بالفعل مع نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، لكن الذي حفزها الى الخروج الى حيز التنفيذ الفعلى كانت احداث سبتمبر. وثيقة مهمة ففي السابع عشر من سبتمبر ايلول عام 2002 صدرت عن البيت الابيض وثيقة في غاية الاهمية يمكن ان تكون مرجعا لاي باحث او مراقب يريد تفسيرا موضوعيا ومقنعا لما يحدث الان على الارض في العراق من تدمير ينبيء بكوارث انسانية لايعلم مداها وخطورتها الا الله، وقد عنونت الوثيقة تحت اسم (استراتيجية الامن القومي للولايات المتحدة الاميركية) وتقع في ثلاث وثلاثين صفحة ويمكن الحصول عليها من خلال موقع البيت الابيض على الانترنت، بعبارة اخرى انها لاتدخل ضمن المحظور الذي لايجب الافصاح عنه. وفي اعتقادي ان نشرها علانية بهذا الشكل امر مقصود حتى تصبح رسالة يجب ان يعرفها القاصي والداني ومؤداها: ماذا تريد اميركا على وجه التحديد في القرن الحادي والعشرين وماذا يجب عمله لتحاشي غضب الدولة الاعظم في العالم؟. على اي حال سنحاول في عجالة ان نقرا ما بين سطور بعض جوانب هذه الوثيقة التي تقر في بدايتها بان الصراع في القرن العشرين كان بين قوى الحرية وقوى الشمولية وقد انتصرت في نهايته الحرية بشكل حاسم، اما في القرن الحادي والعشرين فقد اخذت اميركا على عاتقها حماية حقوق الانسان الاساسية وضمان الحريات السياسية والاقتصادية وصنفت دول العالم وفقا للتعهد بالالتزام بهذه المباديء. ونلاحظ ان الادارة الاميركية حاولت ان تعطي تفسيرا لمبادئ عامة ربما لايختلف اثنان عليها. وهذا يفسر التقسيم الاخلاقي لدول العالم بين مايسمى محور الشر، وبالطبع المحور الاخر الذي تمثله الولايات المتحدة هو محور الخير!! ولكن الولايات المتحدة في حقيقة الامر تنطلق من ربط هذه العموميات بمصالحها العليا، وكأن اميركا عندما تتعامل مع دولة ما تطرح غطاء لهذا التعامل له صفات انسانية ويستند الى اسس مبدئية. والواقع يقول انها لا تسعى الا الى تحقيق مصالح واهداف بعينها، وفي تقديري انها عندما تحدثت عن (تحرير العراق) كهدف من عدوانها على الشعب العراقي كانت تحاول صبغ الغزو بصفة الفروسية، كما يحاول الرئيس جورج بوش استخدام تعبيرات ذات طابع ديني حتى يقنع الاخرين خاصة داخل الولايات المتحدة بمشروعية ما ينتهجه من سياسات. ويأتي بعد ذلك التصور الاميركي لشكل توازن القوى الجديد فترى الوثيقة ان اميركا اليوم تتبوأ مركزا عالميا يتميز بالقوة العسكرية الضخمة والتاثير السياسي والاقتصادي الفاعل، ومن ثم يسعى الاميركيون الى ايجاد توازن جديد يختلف عما كان ابان الحرب الباردة في القرن الماضي ووصفته الوثيقة بانه لصالح حرية البشر، وتتبرأ من ان يكون الهدف هو الضغط لتحقيق ميزة احادية الجانب. وتفصح الوثيقة عن الطرف المعادي في الصراع الجديد بالقول ان خلق توازن قوى حقيقي لايتاتى الا بالقضاء على الطغاة والارهابيين من خلال التعاون بين الدول القوية ونشر السلام عن طريق المجتمعات الحرة المفتوحة في كل قارات العالم. وهكذا نرى ان الخطاب الاميركي عندما حاول ان يتعلق بعبارات دينية كان يهدف من ذلك البحث عن عدو جديد يحل محل الشيوعية المنهارة، وان اخطر ما فيه هو النظر الى الاسلام على انه هو ذلك العدو الجديد. وعليه لم يكن غريبا ان يلجأ الاميركيون الى محاربة الاسلام من نفس منطلقهم في محاربة مايسمونه ارهابا، فاصبح المسلمون في نظرهم ارهابيين واضحت المجتمعات الاسلامية كما يرونها اماكن لتفريخ كوادر الارهاب وهي مجتمعات مغلقة تحارب الحرية والديموقراطية على حد زعمهم. وذكرت الوثيقة ان الدفاع عن الامة الاميركية يظل الالتزام الرئيسي في مواجهة هذا العدو عن طريق مهاجمته في عقر داره، ولتحقيق هذه الغاية تستخدم اميركا اسلحة جديدة لم تعرف من قبل حتى لا يصل هذا العدو الى الاراضي الاميركية ويستعمل مرة اخرى وسائل التكنولوجيا الحديثة في تدمير الحضارة الاميركية، في اشارة الى هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. واكدت الوثيقة على ضرورة استخدام كل الاسلحة في الترسانة العسكرية الاميركية ضد هؤلاء الاعداء، والعمل على تامين الداخل بتفعيل قوة ردع القانون وتطوير وسائل الاستخبارات وغيرها من اسلحة المواجهة. واذا كانت الوثيقة لم تذكر الاسلام والمسلمين صراحة الا ان السلوك الاميركي في تطبيق استراتيجية الامن القومي للولايات المتحدة الاميركية يتعامل مع الاسلام والمسلمين على انه وانهم العدو الجديد للعملاق الاميركي. مما تقدم فان النظر الى العدوان على الشعب العراقي العربي المسلم ياتي متسقا مع الافكار التي طرحتها الاستراتيجية الاميركية في شكلها الجديد، فالادارة الاميركية تبغي اقامة نظام سياسي في العراق يكون نموذجا لباقي النظم الاخرى سواء في المنطقة او العالم، يخدم المصالح الاميركية المغلفة كما اسلفنا بشعارات الدفاع عن حرية البشرية والديموقراطية وحقوق الانسان وبالخطاب الديني الذي يلجأ له الرئيس بوش للتعبير عن ورعه، رغم انه لايعدو ان يكون حاملا لاسلحة الدمار والموت ولكن مرتديا ثوب القديس. وفي اعتقادي ان الغاية الاميركية ابعد من العراق والاطاحة بنظام الرئيس صدام حسين، فعندما حاربت الولايات المتحدة في افغانستان كانت تستهدف ما هو ابعد من نظام طالبان، وعندما تحدثت واشنطن عن محور الشر كانت تقصد اعطاء مبرر مسبق لضرب العراق في المرحلة التالية وقد تحقق ذلك في الحرب التي تدور رحاها الان. والسؤال الذي نطرحه: الدور على من في المرحلة الثالثة؟ لو تابعنا الخطاب السياسي والاعلامي الاميركي خلال الايام الاخيرة سوف نكتشف ان المحطة القادمة في حملة الصدمة والرعب الاميركية ستكون بين طهران اودمشق ايهما اقرب لاهداف استراتيجية الامن القومي الاميركي التي حددتها الوثيقة.. وبعدهما البقية تاتي!! ـ كاتب واعلامي مصري