السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 أيا يكون شكل الحكم المقبل في العراق فإن الحقيقة الثابتة في كل الاحوال هي ان العراق تحول الآن من دولة ذات سيادة الى دولة محتلة بكل ما تعني كلمة احتلال من معانٍ، ابتداء من الاحتلال العسكري المقيم وليس انتهاء بالسيطرة الاجنبية الكاملة على الموارد الوطنية وتحديد طبيعة الدور الخارجي للبلاد على الصعيدين الاقليمي والدولي. والسؤال الذي ينبغي ان يطرح هو: كيف تتعامل الدول العربية الاخرى ازاء هذا الوضع. لقد دخل الاميركيون العراق، ليس من اجل «نزع اسلحة الدمار الشامل» فواشنطن اول العارفين بأن العراق لم يعد لديه اسلحة دمار شامل.. ولو كانت ادارة بوش واثقة فعلاً من ان السلطة العراقية تخفي قدراً كبيراً من مواد واسلحة الدمار الشامل على غرار كوريا الشمالية مثلاً بما يتهدد الامن القومي الاميركي كما كانت تدعي الادارة الاميركية، لما كان معقولاً اطلاقاً ان تركب مخاطرة حرب شاملة وكاسحة على العراق تتعرض فيها أرواح مئات الالوف من الجند الاميركيين لخطر ماحق. الاميركيون دخلوا الارض العراقية ليبقوا ويقيموا لارساء نظام احتلال صريح. وهل يمكن ان يكون في ذلك ادنى ذرة من شك بعد ان اعلنت ادارة بوش على العالم تعيين جنرال اميركي متقاعد ليكون «حاكماً مدنياً» للعراق مع تعيين فريق من كبار مساعديه ايضا.. وكلهم اميركيون؟ قادة المعارضة العراقية في الخارج يتحدثون كثيراً ويتحاورون احياناً حول مطالبتهم بالمشاركة في حكم بلادهم. والادارة الاميركية تشجع هذا النقاش والحوار.. بل ويحرص اركان الادارة الاميركية على الاعلان بأنهم يحبذون مثل هذه المشاركة.. ويذهبون ابعد من ذلك فيقسمون بأنهم لا يريدون للشعب العراقي إلا ان يحكمه ابناؤه العراقيون انفسهم. لكن هذا كله لن يلغي حقيقة ان سلطة الحكم العليا في العراق سوف تكون ادارة احتلالية، وعلى اساس اعتبار هذه الحقيقة الثابتة فإنه ايا يكون شكل المشاركة العراقية في جهاز الحكم فإنه لن يسمح على الاطلاق لهذه المشاركة ان تتعدى دوراً استشارياً او وظيفياً تنفيذياً. ان الولايات المتحدة تعد العدة لمرحلة احتلالية في العراق ليس لها امد زمني محدد. وهي مرحلة مخططة سلفاً. بعد يوم واحد فقط من اقتحام القوات الاميركية وسط بغداد كشفت «الوكالة الاميركية للتنمية الدولية» عن مشروع «لتجديد النظام التعليمي» في العراق. واذا كان هذا في حد ذاته مفاجأة فإن هناك مفاجأة اكبر. فالدعوة الى استدراج عروض من الشركات الاميركية المتخصصة في هذا المجال صدرت حتى قبل اشتعال الحرب. هكذا اعلن هاري ادواردز الناطق الرسمي باسم الوكالة. واذا كان هناك جهاز رسمي تابع للادارة الاميركية يتحدث منذ الآن، ولما تكتمل بعد اقامة الادارة الاحتلالية الاميركية في العراق، عن كتب مدرسية واقلام ودفاتر لنحو اكثر من اربعة ملايين تلميذ عراقي موزعين على 25 الف مدرسة فإنه ليس من المعقول ان يكون عمر الوجود الاحتلالي الاميركي في العراق مجرد ستة شهور كما قال بول فولفتز مساعد وزير الدفاع او حتى سنتين كما تمنى المعارض احمد الجلبي. كيف اذن تتعامل الحكومات العربية إزاء حكم استعماري اجنبي نصب نفسه على دولة عربية شقيقة بعد ان سلبها مقومات سيادتها واستقلالها؟ السؤال مطروح ليس فقط من المنظور السياسي القومي بل ايضا من المنظور القانوني. الجنرال جاي غارنر «الحاكم المدني» الاميركي للعراق مسئول رأساً على جهاز جديد في واشنطن يطلق عليه «مكتب الاعمار والعون الانساني» وهذا المكتب الذي انشيء خصيصاً ليتفرغ للمسألة العراقية لما بعد الحرب، يتبع وزارة الدفاع الاميركية. ومعنى ذلك ان وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد سيكون بمثابة «رئيس جمهورية» العراق الشقيق! ان الحد الادنى لأي اجراء عربي على الصعيد الحكومي ينبغي ان يكون أولا عدم الاعتراف بالوضع الجديد في العراق.. فهو وضع استعماري صريح. لكن الحد الاعلى بلا سقف، فلن تخرق الحكومات العربية القانون الدولي اذا اعلنت الحرب على هذا الوضع غير الشرعي. نحن اذن بازاء كارثة عربية عظمى تتضاءل امامها حتى هزيمة 1967. انها اقرب الى كارثة عام 1948. فالحرب الاسرائيلية حينئذ افرزت قيام دولة اسرائيل على ارض فلسطين. والحرب الاميركية الآن تفرز بالمثل استعماراً على أرض العراق.