السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 ذات يوم لا أحد يتذكره ولا أحد يريد أن يتذكره خرجت الحقيقة عارية الى الناس.. لكنها فوجئت بالقبض عليها.. وبتقديمها الى المحاكمة بتهمة ارتكاب فعل فاضح في الطريق العام.. ومنذ ذلك الوقت والحقيقة مغطاة مستترة.. مخفية.. يصعب كشفها. ولكن.. بينما تكون الحقيقة في غرفة نومها تبحث عن مكياج مناسب لوجهها.. وثوب حشمة لجسدها.. ولغة مهذبة تضعها على لسانها فإن الكذبة ضرتها ومنافستها تكون قد وصلت مسرعة الى عقول الناس.. وسيطرت على قلوبهم. إن الحقيقة «العارية» تعاقب بقوانين خدش الحياء العام.. والحقيقة «المحجبة» تصل دائما متأخرة بعد فوات الآوان.. تصل بعد أن تكون الكذبة قد نمت وكبرت وتزوجت وأنجبت وسيطرت وطردت الحقيقة.. وفي هذه الحالة تجد الحقيقة نفسها عاجزة عن اثبات وجودها ونسبها وكيانها وهويتها.. فتخرج منكسرة.. بحثا عن أقرب مغارة في جبل بعيد تموت فيها.. في انتظار معجزة تاريخية.. على طريقة أهل الكهف.. وعندما تقع هذه المعجزة ويعثر الناس على جثتها ويترحمون عليها يكون كل شيء قد انتهى تماما. ولو كان وزير الدعاية النازية «جوبلز» يتحسس مسدسه كلما سمع كلمة «ثقافة» فإنه كان يطلق النار فور ان يسمع كلمة «حقيقة».. لقد كان يقول دائما: إن الحقيقة فعل تستر لا فعل انفضاح.. فعل قتل لا فعل انبعاث.. أما الكذبة.. فهي مكنسة قوية تنظف عقول الناس.. وتشفطها .. «أكذب.. أكذب حتى يتحول كذبك إلى حقيقة».. «أكذب.. أكذب.. حتى تصدق أن ماتقول هو الحقيقة».. فليس ممكنا أن تقنع الناس بما لا تصدقه.. بل أن «جوبلز» تجاوز كل الحدود وعبر كل الأسلاك الشائكة عندما تعامل مع الحقيقة على أنها خرافة: «الحقيقة لا وجود لها.. الحقيقة هي ما يريد أن يعرفه الناس».. «الجائع يحلم بسوق الخبز والمكبوت يحلم بسوق الجنس والفاشل يحلم بسوق النجاح والمهزوم يحلم بسوق النصر ولا أحد من هؤلاء يريد أن يتقبل واقعه فلماذا نجبره عليه؟».. ثم انه كان يرى ان كذبة اليوم قد تكون حقيقة الغد.. وحقيقة اليوم قد تكون كذبة الغد.. لماذا نصادر على ما سيحدث؟.. والاكثر خطورة: إن الحقيقة تحتاج الى قوة تساندها.. وبراعة تبرزها.. مثل صاحب الحق في قضية تنظرها محكمة.. اذا لم يكن له لسان محام وعين مستند وعقل مؤثر فإن الباطل يخرج فائزا. و«جوبلز» هو مؤسس علم «الدعاية السوداء» التي نعيش فصولا منها منذ أن بدأت عملية غزو العراق.. هو الخبير الأكثر شهرة في ارتكاب جرائم «الحبر» بين جملة وجملة نقرأها على صفحات الجرائد.. وارتكاب جرائم «الضوء» بين لقطة ولقطة نراها على الهواء مباشرة عبر النشرات الاخبارية في القنوات الفضائية.. وهو ماجعلنا مثل «الأطرش» في «الزفة».. أو مثل الأعمى الذي يتحسس فيلا ليصفه.. لو أمسك بظهره تصوره جبلا.. ولو أمسك بزلومته تصوره خرطوما لاطفاء الحرائق.. ولو أمسك بعينه تصوره بحيرة صغيرة ساكنة.. وحدها الاسئلة في هذه الحالة هي المبصرة أما الأجوبة فعمياء معتمة. وقد قدر لي أن أكون شاهدا على براعة الكذب وتضليله في قصة اخبارية كنت في مركزها وقلبها.. وبدت أغرب من الخيال.. لقد طرت منذ أيام الى بيروت على موعد حوار بيني وبين ميخائيل جورباتشوف.. الزعيم السوفييتي اللغز الذي أمسك بوطنه من وسطه وصعد به الى قمة جبل مرتفع ثم ألقى به الى الهاوية.. فنزل مهشما مبعثرا مثل قطع الزجاج المنثور.. وقد أتاح بما فعل ميلاد امبراطورية الشر الاميركية وفجر فيها كل غرائز القتل والافتراس.. وجعلها منفردة القوة والسيطرة على الكون.. وهي تصر على ذلك.. فجاءت الى العراق القريب من روسيا وأوروبا وبداية الطريق الى اسيا لترقب نمو القوى الاخرى.. لتمنعها.. وتوقفها.. وتضعها في الحجم الذي تريده.. ما سر هذا الرجل؟.. هل هو بارع أم ساذج؟.. عميل أم بريء؟.. هل كان يتوقع ماجرى أم أنه وجد التيار يجرفه الى حيث لا يعرف؟.. هل يشعر بالندم على ما فعل أم يشعر باليتم من قسوة الاحساس بالذنب؟.. وهكذا.. ركبت الطائرة من القاهرة إلى بيروت مرورا بعمان لأجلس اليه في وقت يحترق فيه العالم بنتيجة مافعل.. ورحت عن قرب أتأمل تصرفاته وأسمع آراءه وأرصد خلجاته وأرسم صورة نفسية وسياسية قريبة له. وقد جلست معه أكثر من مرة.. وحضرت مقابلات له جرت مع شخصيات لبنانية مؤثرة.. مثل وليد جنبلاط رئيس الحزب الاشتراكي الذي زاره في بيته وتناول طعام الغذاء على مائدته في منطقة «المختارة».. ومثل نبيه بري رئيس مجلس النواب.. وحضرت لقاءً مغلقا بينه وبين الدكتورة ميرفت التلاوي في مكتبها التابع لاحدى منظمات الأمم المتحدة.. وحضرت محاضرته التي ألقاها بتكليف من منظمة الأميرة «أنستازيا رومانوف» الأميرة الوحيدة الباقية من عائلة القياصرة والتي اقترح فيها على الرئيس العراقي أن يتنحى عن الحكم بشرط أن يضمن المجتمع الدولي سلامته.. كنت خطوة بخطوة أرصد كل شيء.. ولكن.. بينما كنت مستغرقا في ذلك كانت هناك كذبة واضحة التضليل تدبر وتحاك وتستعد للخروج ملونة بألوان الحقيقة. كنت اسأل ميخائيل جورباتشوف عن تصوره للدور المطلوب من الأمم المتحدة وفي الوقت نفسه كان التليفزيون الكبير في جناحه الرئاسي بالدور العاشر في فندق فينسيا يبث شريطا مصورا للرئيس العراقي صدام حسين وهو يتجول في شوارع بغداد ويحيي الناس ويدلل الصغار دلالة على انه لا يزال مسيطرا على عاصمة بلاده.. كنت أراقب وأحاور ذلك الفلاح الروسي الطيب الذي دهسته براءته السياسية عندما عرفت أن أسمي جاء في تقرير تليفوني لمراسلة التليفزيون المصري في واشنطن تعليقا على جولة صدام حسين في شوارع بغداد.. سألوها:«هل مارأيناه هو صدام حسين فعلا أم شبيها له؟».. وجاءت اجابتها: «إن كل الأجهزة الاميركية تفحص الأمر بدقة.. خاصة وان هناك صورا لصحفي مصري هو عادل حمودة قد رافقه في هذه الجولة وهو بالمناسبة من الصحفيين العرب المقربين له؟». لم انتبه الى ماقالته مراسلة التليفزيون المصري فقد كان صوت جهاز التليفزيون في جناح الزعيم السوفييتي السابق صامتا.. ولكن.. لم تمر عدة دقائق حتى وجدت عشرات الاتصالات تسأل عبر جهاز التليفون المحمول عن حقيقة ماسمعوا.. وتصور كل من بادر بالسؤال إنني في بغداد ولست في بيروت.. وعبثا حاولت اقناعهم بانني كنت بجوار ميخائيل جورباتشوف لا صدام حسين فالخيال عادة أكثر اثارة من الواقع.. والرغبة في تصديق الأسطورة يتجاوز برودة تقبل الحقائق.. ومثل كرة الثلج راحت الكذبة تكبر.. وتكبر.. فقد جاء برنامج منوعات تليفزيوني ليؤكد انني نشرت حوارا مع صدام حسين.. وانني عندما سئلت عن الدواء الذي يتناوله أجبت: «الفياجرا». «.. بل إنني كشفت على حد قولهم محاولة اغتياله بتلغيم قرص «فياجرا».. وان هذه المحاولة دبرتها مجموعة محترفة من وكالة المخابرات المركزية كانت في عمان.. وهكذا.. اصبحت القصة جماهيرية.. ومغرية لأن يتابعها غالبية الناس.. فما دام الجنس اختلط بالسياسة فكل العيون والعقول تأخذ اجازة. والحقيقة (إذا كان هناك من يصر على وجود حقيقة) انني لم أسافر الى العراق ولو مرة واحدة في حياتي المهنية الممتدة عبر نحو 35 سنة.. بل انني لم أهبط مطارها ولو عابر ترانزيت.. وبالطبع لم أقابل صدام حسين.. ولا مساعدا واحدا من رجاله.. انني كصحفي يؤمن بوجوده في مناطق اللهب كنت أتمنى ان أكون في بغداد لتغطية هذه الحرب الفارقة بين عصرين لا لتغطية جولة شارع للرئيس العراقي.. ولكن لا أتصور أن تاريخي في رفض فاشية النظام شديد القسوة هناك يمكن ان يشفع لي في قبولي مراسلا صحفيا في بغداد في هذه الظروف الملتهبة. أتصور انني كنت واحدا من صحفيين قلائل رفضوا السفر الى العراق في وقت كان السفر الى هناك نوعا من الرحلات الجماعية المثيرة للدهشة.. كنا نجد تذاكر السفر جاهزة في مكاتب الصحف التي نعمل فيها.. وكأنها تذاكر سينما في حفل منتصف النهار.. في تلك الأيام كان صدام حسين قد ورط بلاده في حرب لا مبرر لها مع النظام الاسلامي في ايران رافعا شعاراً يتسم بالغرابة السياسة: «الطريق لتحرير القدس يمر بشط العرب».. الطريق الى تحرير فلسطين يبدأ بتحرير ايران.. ورغم انني كنت استشعر الخطر القادم من ايران وهي تغطي نفسها بأردية مقدسة مستعدة للموت في سبيلها فإنني أيضا لم أكن قابلا لما يفعل النظام الديكتاتوري في العراق.. إن الديكتاتورية هي أصل الشرور.. ومهما كانت الشعارات القومية والعاطفية والحماسية التي يرفعها الديكتاتوريون فإنها ستصب في النهاية في خانة الكارثة.. «إن الكارثة أن تتخلى الأشياء عنك لأنك لا تملك أن تتخلى أنت عنها». وكان مثيرا للدهشة أن أسمع ممن كانوا يسافرون الى بغداد أكثر مما يسافرون الى الاسكندرية أنهم كانوا لا يقدرون على الكلام ولو همسا في غرف الفنادق التي كانوا ينزلون فيها.. وأنهم اذا ما أرادوا التعبير عن أنفسهم بتعليق عابر أو سخرية لاذعة فإنهم كانوا يخرجون الى الطرق السريعة والجسور البعيدة ليفرغوا مافي جوفهم حتى لا يسقطوا قهرا قبل أن يسجنوا ظلما.. أما إذا كانوا يريدون تبادل الأحزان والأشجان بينهم وبين الصحفيين والكتاب والفنانين العراقيين فإنهم كانوا يذهبون معا بعيدا.. في خيمة على أطراف البادية.. أو في قارب شراعي يتهادى على صفحة نهر دجلة أو الفرات.. لقد كان العراقيون يقولون: «لا تدعو الله في سرك حتى لا يسمعك زبانية صدام».. فقد كان هؤلاء الزبانية قادرون على أن يتجسسوا على الأحلام ويحولونها الى كوابيس. على انني عندما اشتد الحصار على الشعب العراقي وبدأ أطفاله يموتون من نقص الحليب وندرة الدواء لم أتردد في دعم حملة المثقفين المصريين لكسر هذا الحصار.. وكنت عضوا في جماعة مدنية صغيرة رتبت مع الجامعة العربية خطوات هبوط أول طائرة مدنية محملة بالطعام والدواء في مطار بغداد.. وبينما تقاتل هواة الضوء على ركوب الطائرة فضلت أن أتابع هبوطها على شاشة التليفزيون مستريحا أنا وضميري.. فهناك دائما من يواجه الواقع المر بالعمل الصامت.. وهناك دائما من يجني الثمار بالمزايدة والصخب. لكن.. هذه القصة الحقيقية لم تمنع أن أجد نفسي بطلا لقصة اخبارية غريبة.. متابعة جولة صدام حسين عن قرب في شوارع بغداد باعتباري مقربا منه.. وحتى تتفجر الدراما من الوهم قيل ان الاجهزة الأميركية تحلل صورا التقطت لي بجانب الرئيس العراقي في شوارع بغداد.. وهي شوارع لم أرها لو حتى في الخيال.. ثم كانت قصة «الفياجرا التي نسبت لي.. وهي في الحقيقة قصة نشرتها مجلة «نيوزويك» الاميركية نقلا عن مصادرها في وكالة المخابرات المركزية على أن مدفعية التليفزيون الثقيلة لا تعترف بحق الذين تتحدث عنهم في سماع وجهة نظرهم.. ليس من حق أحد أن يرد بمدفعية ولو خفيفة.. كما ان ليس من حق أحد أن يرتدي قميصا واقيا من النيران.. فما دام الجمهور يتناول عشاءه كل ليلة أمام نشرة الاخبار فلا بأس من تسليته وشد انتباهه بعيدا عن مخاطر سقوط بغداد.. وصورة المنطقة بعد احتلال العراق. لقد قدر لي أن أكون هدفا من أهداف الحرب الاعلامية المشتعلة بين الأطراف المتحاربة.. هدفا لا يملك سوى قلمه.. هدفا ينتمي الى فصيلة الكائنات الجبرية.. وهي على ما يبدو كائنات مهددة بالانقراض.. ولكننا على ما يبدو أيضا في زمن لا ينمو فيه الناس بالأصدقاء.. وإنما بالاعداء.. لا ينمو فيه الناس بمعرفة الحقيقة وإنما بتناول الكذبة مع وجبة العشاء.. فهل بعد ذلك يمكن أن نصدق ما نراه على كافة الفضائيات بثا مباشرا عبر الأقمار الصناعية؟.. هل بعد ذلك يمكن أن نتورط في التفسير والتحليل والتبرير وأن ندعي إننا على علم ببواطن الأمور؟ إن كل حمل كاذب يجهض نفسه بنفسه.. إلا اذا كنا ندعمه بالوهم.. والخيال.. وتغذية الصورة التليفزيونية الملونة التي تعرض في الضوء ولكنها تولد في العتمة.. انها افلام محروقة أتلفتها فاجعة الضوء.. ولا جدوى من الاحتفاظ بها.. فقد ولدت ميتة. ـ كاتب مصري