السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 النزعة العنصرية القائمة على تطهير الارض المستعمرة من العناصر الاصلية واعتبارهم شعباً منبوذاً يجب استئصاله، بشتى الوسائل المشروعة وغير المشروعة نزعة اصلية في الفكر الغربي ولها جذور راسخة ساهمت بشكل مطلق في تحقيق المشاريع الاستيطانية بعد ان نزعت القداسة عن كل ما لا ينتمي لها عرقيا، وما لا يشترك معها في الايديولوجيا والانتماء القومي. وكل متتبع لطبيعة العلاقة التي كانت سائدة بين الدول الاستعمارية وبين الشعوب المستعمرة يجد ان منطق المشاركة واقتسام خيرات الارض المغصوبة كان منطقا مغيباً تماماً في حركة التاريخ الاستعماري او الاستيطاني الذي كان مصراً على تسليع الانسان والارض والموارد وجعلها في النهاية مصدراً من مصادر دخله القومي دونما اي تمييز بين ما هو من لحم ودم وما هو جماد لا روح فيه فالكل في النهاية قابل للبيع والشراء، والتسخير لخدمة السيد المستعمر او المستوطن المنقض على أرض سواه، الطامع الى حد الافتراس في السلب والنهب والابادة والفناء. من ابرز شواهد النزعة العدوانية ازاء الآخر ما صنعه الملك جورج الثالث حين اعطى مكافأة مالية لكل من يحضر فروة رأس هندي قرينة على قتله، وما صنعه الرئيس الاميركي جاكسون عام 1830 حين اصدر قانون ترحيل الهنود، والذي تم بمقتضاه تجميع خمسين الفاً من هنود الشيروكي من جورجيا وترحيلهم «ترانسفير» في اثناء فصل الشتاء سيراً على الاقدام الى معسكر اعتقال خصص لهم في اوكلاهوما وقد مات اغلبهم في الطريق. ووصلت العملية الابادية الى قمتها في معركة وندي ني «الركبة الجريحة» عام 1890م وكانت الثمرة النهائية لعمليات الابادة هذه انه لم يبق سوى نصف مليون من مجموع السكان الاصليين الذي كان يقدر بنحو 5,6 ملايين عام 1500م لدى وصول الانسان الابيض، اي انه تم ابادة ستة ملايين مواطن اصلي اذا لم تحسب نسبة التزايد الطبيعي الذي يراه البعض عدداً فعلياً يصل الى عشرات الملايين!! وقد تكرر النمط نفسه في استراليا التي كان بلغ عدد سكانها الاصليين مليونين عند استيطان البيض للقارة عام 1788م ولم يبق منهم سوى 300 الف. ولاتزال عملية ابادة السكان الاصليين مستمرة في البرازيل واماكن اخرى، وان كان بشكل اقل منهجية وخارج نطاق الدولة. ان مجمل التجارب الصدامية التي خاضها هذا الفكر المريض ضد الآخر تؤكد ان آدمية الانسان غير الغربي هي آدمية نسبية قابلة للتفكيك والسحق والابادة وليس من حرمة لها إلا في اطار ما يجلبه بقاؤها على قيد الحياة من ربح مادي الى السادة البيض، ويمثل الانتهاك الصريح لحقوق الافارقة واسرهم وشحنهم في بواخر لا تتوفر فيها ادنى شروط الامان والسلامة أثناء رحلة التهجير القسري الى الاميركيتين احد الشواهد الكبرى على دموية ذلك الفكر ونزعته العنصرية. وكانت اعمال السخرة الاستعمارية في افريقيا نفسها لا تقل قسوة، ففي كتابه رحلة الى الكونغو عام 1927 يبين اندريه جيد كيف ان بناء السكة الحديد بين برازافيل والبوانت السوداء «مسافة طولها 140كم» احتاجت الى سبعة عشر الف جنيه قدمتها الاريحية الاستعمارية، والكرم العنصري القادم من الشمال الذي اتى بشعارات الحرية والمدنية ليقدم الموت اشكالاً وصنوفاً تظهر مهارته الفائقة في الذبح والتنكيل وتؤكد ان البشرية طالما سلمت رقبتها لمثل هذا الفكر المستخف بأرواح البشر فعليها السلام ولا عزاء للمهزومين من الداخل الذين لا يعترفون بأن القوة لن يوقفها إلا القوة وان الاستسلام ليس هو الخيار الامثل للتعامل مع الطغيان بل هو اسوأ ردود الافعال، واكثرها اساءة للحقوق المشروعة التي يصر المعتدي على انتزاعها ممن لديهم قابلية الاذعان لاملاءات القوي ومطالبه التعجيزية!! مريم عبدالله النعيمي