السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 فرضت علينا الحرب على العراق أن نتابع الفضائيات العربية والأجنبية، وأن نتنقل فيما بينها الواحدة تلو الأخرى، وأن نتابع ببؤبؤ أعيننا تفاصيل الصور المنقولة هنا وهناك، من شمال العراق وجنوبه، ومن شرقه وغربه.. من الكويت وقطر وواشنطن وتركيا وباريس وموسكو ولندن. جميعنا يبحث عن المعلومة والخبر ويتابع ما وراء الخبر، وينصت بإمعان للتحليلات السياسية والعسكرية التي فرضتها الفضائيات علينا فرضاً.. ففي الوقت الذي يرسم فيه محللو الفضائيات خططهم ويراهنون على المستنقع الذي ورّط الأميركيون أنفسهم فيه نرى سقوطاً مريعاً لنظام كان يحكم بقبضة حديدية. صحا الجميع بعد ليلة ظلماء على حلم كان يسمى النظام العراقي، وعلى حقيقة تقول بأن هذا الصداع المزعج قد تبخر، وان السيد محمد سعيد الصحاف وزير الإعلام العراقي صاحب العلوج والطراطير والأوغاد لن يصطحب المراسلين والمصورين ووكالات الأنباء إلى المواقع التي تحدث عنها طويلاً وكثيراً أمام عدسات الفضائيات، ولن يسمع أحد منّا بعد اليوم تلك المفردات والمصطلحات المثيرة التي ابتدعها وأصبح من خلالها نجماً تلفزيونياً يضاهي جورج قرداحي فشغل الناس في البحث عنها أكثر مما شغلتهم الحرب به. ويبدو أن الحيّة التي تحدث الصحاف عن تقطيع أوصالها نهضت من غيبوبتها فالتهمته في تلك الليلة الظلماء مثلما التهمت النظام ورموزه. الحرب باسمها وشكلها وصوتها ودمارها وحرقتها وخرابها كانت تحفر وجهها على مدينة قديمة عتيقة تدعى بغداد، والعالم الذي وقف بالأمس رافعاً لافتاته هاتفاً ومندداً باسم الحرب يقف اليوم ليرى ما لم يتوقعه أبداً. الجميع يتكلم عمّا حدث ويحدث.. الحلاق، الصبي، العجوز، بائع السمك، الفرّان، المؤذن، البواب، بائع الشاورما، سائق التاكسي، العسكري، الصحفي، الطالب... وغيرهم كثيرون، فالجميع مشغولون بتفاصيل الصور المتكررة التي تبثها الفضائيات، ووحدهم المحللون العسكريون من انهزم في هذه الكذبة الكبرى، فلا تاريخهم العسكري ساعدهم على عبور الجسر أو الانتهاء عند أعمدته، ولا حدسهم أو قراءتهم للأحداث جعلهم يتوقعون ما في الحسبان، فقد انتهى كل شيء بطريقة دراماتيكية مثيرة.. سقطت التماثيل بشكل لم تسقط فيه من قبل، وسقطت معها كل التحليلات والنظريات والوجوه التي كان الجميع يعتقد انه يعرفها جيداً. يبدو أن وجه العالم لا يتغيّر إلا بالحروب، فمنها وبها ولها ومن خلالها تسقط امبراطوريات ودول غارقة في الزمن، وملوك وديكتاتوريات. إنها الحرب التي لا تبقي ولا تذر.. الحرب التي بدأت منذ الخليقة عندما أعلن قابيل حربه على أخيه هابيل فقتله، لتصبح الحرب عادة للطمع والتوسع والكراهية والظلم. حاولت أن أشيح بوجهي عنها نحو بلد آخر، فوجدتني أشيح عن بغداد إليها، حيث نيران الحرب والسلم والمستقبل والمجهول والبناء المتواصل، وكأن القدر قد كتب على هذه المدينة أن تتواصل مع نارها، فقد أراد أبو جعفر المنصور الذي أمر ببنائها أن يرى كل تفاصيلها قبل أن يشرع في البناء، وبعد تفكير عميق أشار إليه المهندسون بأن تخطط بالقار والنفط وتُشعل النيران فيها كي يراها مضيئة مشتعلة. وهذا ما حدث، فقد رأى المنصور تلك المدينة المشتعلة بالنار، المتواصلة بالضوء فسماها دار السلام، وهو لا يعلم انه أشعلها بقدر الحروب والمواجهات ونيران الاعتداء! منذ سقوط هابيل ارتدت الحروب أسماءها، وأصبح العالم يتجه نحو الخلاص بحروب مقبلة، ربما تعددت الأسماء والأشكال والطرق والوسائل، إلا أن الحرب ظلت كما هي وفية للدمار والموت ووفية للخلاص والسلام، فهي تحمل تناقضاتها بين أسنانها ودائماً ما تسقط صريعة بين فكي التاريخ والجغرافيا! ومن يتأمل دورات الأيام يرى ويسمع ويشاهد ويتابع ويقرأ ويتجرّع ويتواصل ويؤثر ويتأثر، فالحرب مهما كان اسمها أو شكلها فهي حرب. ربما أرادوها نظيفة أو سريعة أو خاطفة أو باردة، وربما أرادوها دامية أو حامية أو مدمرة أو قاضية، فهي حرب. لقد تعددت أسماء الحروب وأشكالها وغاياتها لكنها ظلت حروباً، فما بين حرب للتحرير وحرب للتمرد تتناثر حروب أخرى، فها هم العرب يشيرون إلى حروبهم القبلية، فالحرب هي الهلاك والويل، وقد عرفت العرب قديماً الكثير منها مثل حرب البسوس التي وقعت بين بكر وتغلب، وحروب الغساسنة والمناذرة وغيرها. ومثلما عرف الأوروبيون حروب التحرير والتوسع والتمدد فيما بينهم، حيث كثرت الحروب بين القبائل الجرمانية والسكسونية عرفوا كذلك حروب الاستعمار والتمدد اللامشروع. المثير في الحرب على العراق انها حرب من نوع آخر، فقد سقط صدام حسين وزمرته وتبخروا في الهواء، وكأننا نتابع فيلماً هوليوودياً نهايته ظلت مفتوحة! ولكن بغداد هي بغداد، الكل يذهب وهي تبقى صامدة في الأيام، فبغداد هي التاريخ الذي يضم بين جنباته المأمون والرشيد والمعتصم والمنصور، وهي الحضارة والعطاء والثقافة ودار الحكمة. المدهش ان المنصور بناها لتكون دار السلام، بينما حوّلها صدام حسين لتكون دار الظلام.. فهل سقطت بغداد حقاً؟!