السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 هل تتكرر الاحداث التاريخية الكبرى؟ وهل التاريخ يعيد نفسه او يعيده البشر بوسائل وطرق مختلفة؟! لا مجال هنا، ولا فائدة ايضا، من الدخول في جدل اقرب الى السفسطة من اي شيء آخر، لكن المؤكد ان العديد من الاحداث التاريخية تتشابه في الكثير من جوانبها الى حد يقترب من التطابق احيانا. فها هي بغداد، عاصمة الرشيد و«دار السلام»، تسقط للمرة الثانية في الشهر ذاته، وان كانت تفصل بين المرتين مسافة زمنية تزيد على 700 عام! في المرة الاولى يحدثنا التاريخ انه في الخامس من شهر صفر سنة 656 للهجرة (1258م) احتلت بغداد من قبل المغول بقيادة هولاكو، «وفتكوا بأهلها سبعة ايام او تزيد، وتم تخريب المدينة وحرقها وقتل سكانها»، ثم «ألغيت الدواوين وبقي ديوان الوزير وديوان الزمام، ثم ادمج الديوانان في ديوان واحد صار رئيسه صاحب الديوان، وهو الحاكم الاعلى في العراق، وهو الذي يعين كبار الموظفين وغيرهم». وامتد الغزو المغولي بعد ذلك الى بلاد الشام، حيث احتل جيش هولاكو مدينة حلب «وفتك بعدد كبير من سكانها»، ولم يوقف زحفه حتى هزمه المماليك عام 1260 للميلاد في معركة عين جالوت، قرب مدينة الناصرة في فلسطين! لكن حكمه للعراق استمر الى ان سحقه الصفويون عام 914 للهجرة (1508م). اما المرة الثانية، او صفر الثاني فهو الذي نعيش وقائعه ماثلة امامنا، حيث دخلت القوات الاميركية العاصمة العراقية بغداد، في السابع من صفر سنة 1424 للهجرة الموافق التاسع من ابريل عام 2003 ميلادية! واذا كان المغول قد فتكوا بأهل بغداد وخربوها وحرقوها بعد دخولهم اليها فان الاميركيين دخلوها «فاتحين محررين» بعد عشرين يوما من القصف المركز بمختلف وسائل القتل والحرق والتدمير، ضمن حملتهم التي اطلقوا عليها عملية «تحرير العراق»! وقد عبرت مراسلة صحيفة «الجارديان» البريطانية عن «المشاهد المروعة» التي خلفتها هذه الحملة في بغداد وحدها بوصف يحمل الكثير من السخرية المريرة، حيث تقول: «تمكن الموتى من عناق بعضهم بعضا بطريقة لم يألفوها لما كانوا احياء، وامتزجت جثث الغرباء الدموية والمتفحمة بعضها ببعض» حسب ما جاء في عدد الصحيفة الصادر يوم الاربعاء الماضي وقد يكون الآتي او ما سيتكشف لاحقا، اكثر بؤساً وألما! غير أن زميلاً بريطانيا آخر ذهب أبعد من ذلك في توصيفه للحدث، حيث روى مراسل صحيفة «الانديبندنت» في اليوم السابق مشاهد توغل القوات الأميركية في وسط بغداد قائلاً: «لقد كان المشهد مذهلاً، لم يخطر على بال أحد.. فوسط اطلاق النار الكثيف من كل جانب، كان على المرء ان يدرك أن هناك جيشاً غربياً يتوغل في قلب عاصمة عربية، لأول مرة منذ زحف الجنرال (البريطاني) اللنبي على القدس راجلا عام 1918»! وماذا بعد؟ هل ننتظر عين جالوت أخرى أو صفويين جددا، ولو بعد مئات السنين؟! إذا أخذنا بالسوابق، فإن سقوط بغداد ثانية بعد ضياع فلسطين كاملة، لا يتح مساحة كبيرة للأمل. لكن المستقبل يبقى عصيا على التنبؤ، والأيام حبلى دائماً بالمفاجآت!