السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 بغض النظر عن السقوط السريع والمريب لبغداد فإن الحرب على العراق قد أدت الى سقوط ما هو أهم ممثلا في مجموعة ، القيم التي تمثل أسس المنظومة الحضارية الغربية والتي تعتبر الولايات المتحدة نفسها الممثلة لها باعتبار دورها وتفوقها الكاسحين وهو ما يستدعى إعادة النظر في مضمون هذه القيم ومدى الايمان الحقيقي بها لدى الغرب. لقد عشنا وعاشت أجيال متعاقبة على حيوية هذه القيم لدى الغرب غير أن الحرب جاءت لتؤكد زيف دعاوى تبنيها على المستوى الانساني بشكل عام، وأنها لا تعدو أن تكون سوى وسيلة للسيطرة والهيمنة حال الدعوة لها مع الغير . ويأتي على رأس هذه القيم مفهوم الأنسنة والذي يولي قيمة كبرى للانسان، فضلا عن مفهومي الديمقراطية والحرية. واذا كانت الحرية تمثل أهم هذه القيم فإن الحرية الاعلامية تعد بمثابة الأيقونة بينها وهو المفهوم الذي كان من أبرز ضحايا الحرب الأميركية البريطانية على العراق. إن متابعة مسار التغطية الإعلامية للحرب تشير الى صحة ما نقول .. صحيح أن أحداث يوم الثلاثاء الماضي التي أدت الى مقتل ثلاثة صحفيين في قصف أميركي تعد الأكثر درامية في الإشارة الى موقف الولايات المتحدة من الحرية الإعلامية إلا أنه كان من الواضح أن واشنطن مع الأيام الأولى للحرب بدت تضيق ذرعا بالتغطية الإعلامية لها حيث كانت تطورات العملية العسكرية لا تسير بالشكل المناسب لصالح الجانب الأميركي. وهنا فنحن نميل الى تأييد ذلك الرأي الذي طرحه البعض ويتلخص في أن الولايات المتحدة لم يكن لديها أي حساسية تجاه الإعلام فيما قبل بدء الحرب إزاء السيناريوهات التي قامت عليها الخطط الحربية من أنها ستكون نزهة يستقبل خلالها المواطنون العراقيون الغزاة بالزهور .. أى أنه كان يعول على أن يلعب الإعلام بشكل عام دورا كسلاح الى جانب القوات الأميركية.. غير أنه إزاء اتضاح حقيقة خطأ الافتراضات التي تم على أساسها خوض الحرب بدأ التبرم بالتغطية الإعلامية الحرة وممارسة الضغوط المختلفة للحد من تأثيرها في كشف تطورات الحرب التي تسير في غير صالح الأميركيين ليس على المستوى العسكري فقط وإنما على المستوى الانساني حيث كشفت وسائل الإعلام خاصة العربية عن مآس وفظائع تصل الى حد الابادة وهو ما يشير الى تداعي الجانب الانساني في العمليات الأميركية البريطانية داخل العراق . ولعل أبلغ دليل على ما نود الاشارة اليه بشأن التبرم بالحرية الإعلامية ما ذكره صحفي اسرائيلي تمكن من التسلل الى العراق لتغطية الحرب حيث أشار الى أنه بمجرد كشفه من قبل القوات الأميركية عومل معاملة سيئة تخوفا من كونه من المخابرات العراقية، والمهم في شهادة الصحفي الاسرائيلي هو ما اشار اليه من نتيجة تتمثل في رغبة القوات الأميركية في عدم وجود صحفيين يعملون بشكل مستقل وليسوا تحت إمرتها. يعزز من مظاهر القيود الأميركية على الحرية الإعلامية الضجة التي أثارتها بشأن عرض صور أسراها على التلفزيون معتبرة ذلك خرقا لاتفاقية جنيف بشأن معاملة الأسرى رغم أنها لم تتورع عن عرض ما ذكرت أنهم أسرى عراقيون في الأيام الأولى للحرب. واذا كانت الادارة الأميركية قد نجحت الى حد كبير في تحييد وسائل الإعلام الأميركية والغربية الى حد ما فقد بقيت وسائل الإعلام العربية عصية الى حد نسبي خاصة فضائيتي «الجزيرة» و«أبوظبى» بالاضافة الى قناة «العربية» وإن بسقف أقل، مما ساهم في كشف المواقف الأميركية ومن هنا تعرضت التغطية الإعلامية العربية خاصة القناتين المذكورتين لانتقادات حادة تاهت في زحامها مفاهيم الحرية الإعلامية. ولذلك لم يكن من الغريب أن نلحظ هجوما حادا من قبل الأقلام الغربية أو العربية المعروفة بميولها للغرب للتغطية الإعلامية العربية للحرب ونشير هنا الى انتقادات الدكتور محمد الرميحي والدكتور مأمون فندي الى جانب الكاتب الأميركي توماس فريدمان في مقالات نشرت بصحف خليجية ولندنية، ففيما راح الرميحي يصف التغطية العربية بعدم الموضوعية من خلال خلق التمنيات بنصر عراقي يعيد الى الأذهان عقدة «فيتنام» من خلال «عراقنام» جديدة راح فندي يصفها بأنها ذات طبيعة منفلتة وذات طابع يتسم بالعنف يعود الى طبيعة الثقافة العربية! وهو تصور كرسه فريدمان باشارته الى انزعاج الخارجية الأميركية من التغطية العربية للحرب. ورغم تحفظنا على الإسراع في تقديم تفسيرات قد تبدو متعجلة، إلا أنه من الصعب تصور أن القصف الأميركي لمكتبي الجزيرة وابوظبى يعتبر حدثا عارضا، وإنما يأتي في تصورنا اتساقا مع الموقف الأميركي من وسائل الإعلام عموما والعربية خصوصا ومحاولة اسكات صوتها، خاصة ان القصف طال فندق فلسطين الذي يتخذه الصحفيون من وسائل الإعلام بمثابة مركز اعلامي لهم ما ينفي فرضية الخطأ أو المصادفة ويؤكد أن الأمر مقصود خاصة في ضوء تصريح أحد القادة العسكريين الأميركيين - بروكس - من أن القوات الأميركية لن توفر الحماية سوى للصحفيين المرافقين لها .. أو التابعين لها بمعنى أصح!. وقد يكون الهدف من القصف التصور الأميركي بصعوبة المعركة على بغداد هو الرغبة في عزل العاصمة العراقية عن العالم للتغطية على أية جرائم حرب او فظائع قد ترتكبها القوات الأميركية أو خشية الكشف عن الخسائر في صفوف الجنود الأميركيين التي قد يكون لها تأثيرها السلبي على الرأي العام الأميركي. وهو تصور ثبت عدم صحته نظرا للملابسات التي لم تتضح حتى كتابة هذه السطور بشأن السقوط السريع لبغداد. ويجعلنا ذلك نخلص الى عدم نزاهة المواقف الأميركية من مجموعة القيم التي تروج لها .. صحيح أن ذلك قد يكون إيمان الكثيرين، غير أن الحرب عززت هذا الفهم بما يقوض من مساحة المصداقية الأميركية .. فهناك شئ أو أشياء انكسرت في الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا نتيجة الحرب، ومن المؤكد أن اصلاح هذا الكسر لن يكون سهلا. ومن هنا نقول باطمئنان انه اذا كانت الولايات المتحدة قد كسبت الحرب عسكريا فإنها قد خسرتها على عدة مستويات أخرى أخلاقية وسياسية وقانونية، واذا كان لنا أن نرى من فائدة جراء الحرب رغم الدمار الذي لحق بالعراق وحجم الضحايا والمستقبل الغامض الذي يحيط بالوضع في العراق والمنطقة، فإن هذه الفائدة إنما تتمثل في سقوط العديد من الأقنعة التي طالما تغنينا بوجودها في الغرب ولعله سقوط يكون باعثا على نهضتنا من سبات طال أمده!.