السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 كشفت الحرب على العراق مدى نجاح الاميركيين في تعلم الدروس الاسرائيلية، واكتسابهم المهارات الفائقة ، في قتل المدنيين والقدرة العالية على الكذب الصريح امام شاشات الفضائيات التي لم ينج مراسلوها من «النيران الصديقة» وفقد الاعلاميون ثلاثة من زملائهم في يوم واحد عدا الجرحى. دخل الاميركيون بغداد بعد ان امطروها بالقنابل العنقودية وقذائف الموت الغبية، فهل تمحو قوالب الحلوى التي وزعها شركاؤهم البريطانيون على اطفال البصرة صورة الطفل علي اسماعيل بذراعيه المبتورتين ودموع من فقدوا ذويهم من الذاكرة؟! ابداً صورة ابنة زميلنا الشهيد طارق ايوب مراسل «الجزيرة» التي فقدت اباها وهي لا تزال تحبو يصعب محوها ولو بأطنان الحلوى وملايين المناشير التي تحمل دعايات كاذبة. تفتيش النساء عند الحواجز بأيدي رجال المارينز الغليظة يفضح دعاوى الحرية التي يتمسحون في ردائها جوراً.. صور المعتقلين المدنيين مكبلي الايدي ومنزوعي الثياب شاهد آخر يكشف النوايا وان قال اللسان عكس ما تراه العيون. فشل الأميركيون في تسويق بضاعتهم «المضروبة» قبل أن تطأ أقدامهم أرض العراق، وبارت اكثر بعد أن دخلوا النجف وكربلاء والناصرية، وفشلت أبواق الحرب الظالمة في تقديم اي دليل على اسلحة التدمير الوهمية التي قالوا أنهم جاءوا بحثاً عنها. لم نر صاروخاً كيماوياً أو قذيفة جرثومية، على مدى الثلاثة اسابيع الفائتة وفك الجنود سترات الوقاية الاستعراضية، مثلما لبسوها قبل بدء الحرب دون ان يمسهم السوء. كل ما رأيناه جثث القتلى وأجساد المصابين المدنيين من مدينة إلى أخرى، بينما جنود مدججون بكل أنواع الاسلحة المشروع منها وحتى المحرم، فالغاية تبرر الوسيلة، كما هي العادة دائما في مثل تلك الحروب غير العادلة. أصوات صراخ الاطفال في المستشفيات وصورة الأم الشابة التي تحمى صغارها في حفرة، تعيد إلى الذاكرة مشهد قتل محمد الدرة في حضن أبيه في فلسطين، وقد ظن بعضنا أنها الصورة الاستثنائية التي لن تفلح اي كاميرا في تكرارها، غير أن الصور القادمة من ربوع العراق توازيها رصدت للحظات نادرة إن لم تتخطاها في رصد الواقع الأليم. اختلطت الحقائق بالأكاذيب.. الواقع بالخيال مع انهيار دفاعات اعتقد البعض انها قادرة على الصمود اكثر امام ارتال الدبابات وراجمات الحمم والنيران المستعرة، وغاب عن البعض ان العراق يواجه اكبر قوة غشوم في العالم، لكن الانهيار الاخير على كل حال كان افدح مما توقعنا في الساعات الأولى من بدء الحرب. لا كرامة لعربي في وطنه بعد الآن، بعد ان جاء الاميركيون والبريطانيون ليبقوا ـ كما يعلنون ـ في ام قصر والبصرة وبغداد والسليمانية.. ها قد عدنا يا صلاح الدين الى ربوعك فلم نجد في أحفادك نداً يمنعنا من الوصول الى عقر دارك وانتهاك حرمة تاريخك التليد! بالأمس كانت القدس واليوم بغداد وغداً اي العواصم العربية تنتظر دورها في البكاء مثلما ناح الاولون على ضياع الأندلس التي لم يدافعوا عنها كما الرجال. قبل أكثر من عشرين عاماً كنا نقرأ في الكتب الصفراء عن مخططات تفتيت الوطن العربي، ومحو كيانات من الخريطة لصالح كنتونات مجزأة، وكانت عقولنا الغضة، تتساءل هل يأتي مثل هذا اليوم.. ومن سيعطي الآخرين فرصة ابتلاعنا، لكن للاسف دار الزمن باسرع مما كنا نظن واذا بسطور الكتب التي حذرت من الفاجعة تتحول إلى واقع نراه ونلمسه! الاسرائيليون في فلسطين والاميركيون والبريطانيون في العراق، والايادي الخفية والظاهرة تلعب بأوراق الاقليات في اكثر من بلد عربي.. والقدرة على المواجهة في ادنى مراتبها، الخلافات العربية ـ العربية في قمة تأججها.. فماذا ينتظر غير اكثر من هذه الفرصة ليطابق سيناريوهات طموحاته واطماعه على واقعنا العربي المجزيء؟! لم تعد لا الخيل ولا الليل ولا حتى البيداء تعرفنا، بعد ان هجرتنا الخيول وانكرتنا البوادي واصبح الليل مرادف الخوف من جحيم القنابل المتساقطة من السماء. قال الاصدقاء ماذا نكتب والواقع يتجاوز كل الكلمات التي باتت عديمة الجدوى بعد ان توقفت العقول عن التفكير ولم يعد الكلام يساوي ثمن الحبر الذي يكتب به. هل نصمت ونكف عن الكتابة ونبحث لنا عن سبيل اخر ربما يكون اكثر نفعاً؟! لحظات الهزيمة قاسية، ومرارة الاحساس بالهوان قد تدفع البعض الى الكفر بالهوية وادانة الجينات الوراثية وتحميلها مسئولية ما وصلنا اليه من مذلة، اختفى الامل بالمستقبل وزادت الرغبة في التنصل من الماضي القريب والبعيد امام الحاضر الكئيب. هذا ليس بكاء على الاطلال امام الفاجعة، لكنها المأساة التي نورثها لاجيال سوف تحمل كل منا النتائج التي شاركنا في صنع اسبابها مهما حاولنا الهروب من الحقيقة والتعلل بالحجج وان كان بعضها صادقاً. جاهد او كافح ـ بعد ان اصبح فعل الجهاد جريمة ـ اجدادنا لتسليمنا اوطاناً محررة، وها نحن نقدمها لابنائنا ولانقول احفادنا على اسوأ ما تكون، تحيط بها النكبات من كل جانب، كان الله في عونهم على استقبال ايام ملبدة بالغيوم السود.