السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 عندما تفتح الكاميرا عدساتها بأوسع فوهة، لا يعود الفرق كبيرا بينها وبين فوهة مدفع، وعندما تفقد الأمم أخلاقها لا يعود لديها فرق في قتل مجرم أو ذبح بريء، والجميع في كفة واحدة إذا اجتمعوا على إخفاء آثار قاتل، ذلك ما خرجنا به من حروب الكون كله. ما الذي يسقط في بغداد؟ سؤال يحمل وجهين للاحداث والوقائع، فهناك حيث الحقيقة تستحي من كونها حقيقة أشد ما هي بشعة ومرة، في ساحة الحرب حيث الموت لايحمل اي معنى آخر سوى الموت، نرى قذارة الداخلين بأقدام موحولة يدنسون اعتاب التاريخ ويقتلون البراءة والحياة، وتسقط كل الأشياء المزيفة عدا صورة الجريمة المروعة، قتلة يرقصون على جثث قتلاهم، اشكال شتى للجريمة تلون أقدام شهريار حيث أمن دجلة غفوته منذ الاف السنين، صمت عالمي، مذابح لا تلقى الحد الأدنى من التنديد الرسمي، امم متحدة لم تعد امما ولا متحدة، ووجوه لبست قناع شايلوك، ليس هناك حتى مقصلة للزيف أو قاض يمنح يهودي شكسبير قطعة اللحم دون قطرة من دماء، فليس هناك ثمن للدماء. ما فضحته الحرب كثير.. كثير، سقطت وجوه كالحة تخفت كثيرا وراء اقنعة عروبية أو قومية أو جلود حملان، وكشفت ما يمكن ان يظهر اذا كشطت السيوف الوان البعض، رأينا نزعة دموية بشرية كمنت منذ الف عام لتتفجر على شهوة اللحم العراقي، ووجدنا شهوة دنيوية استترت بأغطية شتى ليس آخرها الدين، وادركنا نزوعا كبيرا لسلخ الانسانية من شرايين الذئبية المعتمرة في النفوس، ورأينا ان التاريخ يعيد نفسه مرة ومرتين وثلاثا وبأشكال متنوعة، ربما نجح الهوليووديون في تسويقها عبر شخصيات خرافية تتناسخ. لقد عومت الحرب الخلافات وكشفت الكثير مما حاولت الإدارة الأميركية التغطية عليه بالصوت العالي وبادعاءات غير صحيحة، ومنها الوجه الحقيقي للحرب واهدافها الاستعمارية فقد أصبحت القبور اكثر مما ينبغي، حتى المعتدون تمزقوا اشلاء مع كل جسد عراقي نثرته صواريخ الدمار، ولم تعد هناك وحدة ائتلافية لم تعد هناك سوى واجهة الاحتلال وتقسيم الغنيمة. الساقطون على بوابة بغداد غير هؤلاء كثر، صواب الأمن الدولي، أطفال ونساء، مدن عراقية تعبت كثرما بقيت تقاوم التعرية الزمنية والسياسية والتاريخية وسقطت بلا أدنى مبرر أو عذر في ماخورات القادمين على أرتال الرذيلة، مبادئ لم تعد ترى في ما تتضمنه معنى بعد السقوط الأخلاقي للدول، دول هربت من محرقة اليوم لتسقط في مزابل التاريخ، صحفيون، تاريخ بأكمله. كلمة زيف لم تعد تعني ما يحدث على اعتاب المدينة العتيقة الحديثة، لقد ارادوا نحر التاريخ الذي لايزال يخطر على ضفاف النهرين، أيُ المدن القديمة عاشت ما عاشته بغداد وعمرت عمرها بأكمله غير منقوص!، لقد كتب البياتي ذات مرة يقول «لم أجد مدينة قديمة حية غير بغداد، هي اقدم المدن الأحياء»، رد عليه الشاعر اليمني البردوني، «وصنعاء ياصديقي»، رحمهما الله، لو انهما عاشا اليوم لماتا الف مرة قبل رؤية التاريخ النبيل ينسحق تحت أقدام رعاة البقر. اجيال الأطفال التي ولدت بعد الحرب الخليجية الثانية، لم تعرف معنى للحرب، كان يكفيها ان تعاني آثارها، وكانوا يكتفون بما تبقى من معاني الطفولة، لعب على قارعة الزمن الأسود ورغيف لم يزل فيه طعم الدماء الماضية، أقلام اقتطعت نبلاتها من أشجار مذبوحة، وبيوت أعلت سقيفتها من الرصاصات الفارغة والجريد اليابس وأصوات المدافع القديمة، بعض مما تبقى، لم يكن كثيرا ابدا. لم ير هذا الجيل نوارس دجلة التي كانت تسابقنا الى شواطئه الجميلة، حيث الشمس تخطر في بهاء الى مرقدها، وتملأ صفحة النهر الجميل عوامات الخشب حاملة النذور، لم يجلسوا بانتظار الخضر على اعتاب الغروب، او بانتظار العائدين من تعب النهار، لم يمروا على جسر «علي بن الجهم» حيث أصابته المها بلحاظها، ولم يسمعوا هتاف المنتدين في مقاهي الرشيد لبيت شنه الزهاوي قاصفا بيت الرصافي، لم يشاهدوا السياب تجره عربة الطحين مكبلا بقيده الى مخفر الميدان، ولم يروا الملك يذبح على مدفع انجليزي غنمه العشرينيون وتوج ابواب وزارة الدفاع العتيقة، ولم يعرفوا لماذا قتلنا الحسين ولماذا نبكيه، واين رأسه. ذاكرة تغبشها الدموع والألم ماذا يمكن ان تخط، لقد سقطنا جميعا على بوابات بغداد، ضحايا ومجرمون، ابرياء ومذنبون، شرفاء وخونة، سقطنا جميعا، اصبحنا كلنا حسينا يبحث عن رأسه في كوم الرؤوس الساقطة لينام، بالأمس تداعت مدن بقيت عصية على الغزاة قرونا، على حراب هشة، زميل كان اشدنا ابتساما في حلكة الحروب التي طحنتنا عشرين عاما، فالح خيبر، ما الذي سنقوله لأطفاله الذين لن يعرفوا لماذا فقد الرجل وجهه، ربما هذا هو الوجه الوحيد الذي سقط بشرف على ساحة الموت، ماذا سأقول لاطفال اخي واختي وانا اعدهم بمستقبل جميل أصبحوا فجأة ليكتشفوا انه لم يكن الا حفرة كبيرة من نار وإبهام،وان خبزهم مازال معجونا بالدم، لا أملك سوى بضعة من ألم وحقيقة مرة للذين ذبحونا أحياء باسم الحرية العمياء: يا قاتلي أسملتَ أطفالي وفي عيونهم قوس قزحْ. لا يعرفون ان الزهر قد افسده الغرابْ وامتزج الرغيف والحليب بالترابْ وما سوى شدقُ المقابر انفتحْ. ملحي وخبزي والجسد . انكثه موجوعة لم يبق ضرع أو بلد لا والد ولا ولد ومثله للامكان ننتهي ومثله نغدو «نسيا لا أحد» ...