الجمعة 9 صفر 1424 هـ الموافق 11 ابريل 2003 الذين تكبر تساؤلاتهم يوميا حول حقيقة ما جرى في بغداد يوم التاسع من ابريل لعام 2003، لا يسألون عن مصير صدام، خوفا عليه ولا يطمئنون على سلامة اركان حزب البعث الحاكم، فلم يكن صدام رهانا لاحد، ولم يعد مهما ما اذا كان قد ساوم على العراق والعراقيين بصفقه قذرة، او انه قتل مع اركان حكمه في غارة حي المنصور منذ عدة ايام، لم يعد كرنفال تحطيم الاصنام اعلانا بانتصار الشعب او بداية مرحلة اخرى في تاريخ العراق صنعها نضال العراقيين، لم تعد ازالة التماثيل رمزا لفناء حقبة عبادة الفرد او لمجيء حقبة حرية الانسان .. ذلك ان اصناما اخرى تجهز، وعبادة اخرى تكتب اسفارها في خفاء ليل المؤامرات والخدع الصاعقة. ليس مفاجئا ان ينتصر الاميركان في حرب صنعوها منذ زمن بعيد، واعدوا جميع سيناريوهاتها، وابطالها ورسموا نهايتها، لكن ساعة الحقيقة التي صحا عليها 260 مليون عربي صباح الاربعاء الفائت كانت قاتلة .. وكان كل شيء قد انتهى في غضون الليل فقط، فاذا العراق سبيٌّ مكسور رغم كرنفالات الصراخ والنهب والسلب واسقاط الصور وتحطيم الرموز، واذا نحن في لجة هزيمة اخرى، واذا الاميركان اسياد العالم، بينما نحن الذين اعدنا انتاج مصائبنا مرة اخرى، واستعمارنا ومحتلينا .. يا الهي ماذا فعلنا بأنفسنا؟ والى اين نحن ذاهبون؟ وبرغم هذا الانكسار الذي اذهل الجميع، الا انه لا يجب ان ينسينا حقائق واضحة لابد من الاعتراف بها واول هذه الحقائق ان نظام صدام القمعي قد سقط وان المنطقة كلها مفتوحة على العواصف، والعراق مفتوح على الصراعات العرقية والفراغ السياسي والامني والمستقبل المجهول، وواضح أن الاميركيين ليسوا متعجلين في موضوع استتباب الأمن، واستقرار الوضع السياسي في بغداد، فهم معنيون الآن بعرض فيلم مقيت على انظار العالم ابطاله بعض العراقيين الذين يصولون ويجولون في كل الشوارع والاحياء، ينهبون ويسرقون ويخربون في ظل حماية وحراسة القوات الاميركية بل وتشجيعها على ما يبدو. ما يهم الاميركان الآن ان ينسى العالم مجازر (حرب التحرير) ومجزرة الاعلاميين، وعدم شرعية الحرب، وعليه فهم يرتبون كل الاوضاع والمشاهد من اجل صور جديدة تجعل العالم يراجع نفسه في موضوع رفض الحرب والاصطفاف الى جانب العراقيين المناضلين والمقاومين والشهداء دفاعا عن وطنهم، انهم يستبدلون هذه الفكرة وهذا المشهد بمشهد آخر يبدو فيه العراقيون سعداء يرقصون فرحا في الشوارع والميادين، ولصوصا جوعى ومحرومين ينهبون بلادهم ويحطمون مؤسسات مجتمعهم بسبب قمع النظام وجرائم صدام! واذن فقد كانت الحرب رحمة لهم، وكان قرارها سليما مئة في المئة، لكن احدا لم يكن يعرف هذه الحقيقة سوى الادارة الاميركية الحكيمة!! ويوماً بعد آخر، ومشهداً تلو مشهد ستسكت كل الحناجر التي هتفت ضد حرب الأميركان، وستسقط كل اللافتات التي دافعت عن العراقيين الشرفاء المناضلين، ذلك أن المناضلين لا يسلمون بلادهم بسهولة، ولا يسرقون بلادهم على الهواء مباشرة، ولا يعانقون المحتل ويعينونه على وضع علم احتلاله على رموز حتى وإن كانت قد سقطت وإلى الأبد!! إن أميركا تلعب في منطقة إبهار الصورة التلفزيونية وهيمنة التغطية الإعلامية على عقول وقلوب المشاهدين الذين يلتهمون الصور، ويصدقون تفاصيلها بسهولة، ولقد أعدت أميركا لصورة العراق المستسلم المرحب بالمحتل، عراق اللصوص والجوعى واللامنتمين لوطنهم، أعدت العدة جيداً، فحتى العلم العراقي القديم بدون عبارة (الله أكبر) كان جاهزاً سواء مع الصبية المحتفلين أو مع قوات المارينز الأميركان، فالأمر سيان! يجب أن ننتبه إلى أن الإعلام الأميركي يمارس عملية غسيل دماغ جهنمية ضد العالم في هذه الأيام، والمطلوب (تنظيف) الذاكرة من كل كوارث الـ (21) يوماً التي استغرقتها الحرب الكارثية التي انتهت بشكل كارثي لا يشبهه سوى هزيمة 1948 المرعبة، وهزيمة 1967 المكتوبة والمؤطرة بالخيانات البشعة.