الجمعة 9 صفر 1424 هـ الموافق 11 ابريل 2003 قامت الولايات المتحدة بالعملية الكبيرة التي طالما تحدثت عنها منذ الحادي عشر من سبتمبر. وقد سقط أحد اكثر الانظمة العربية احادية وتطرفا. وبينما رفض العالم العربي التدخل الاميركي، وبينما رفضته دول كثيرة في العالم، الا ان الشعب العراقي كان على مدى عشرات السنين عاجزاً عن ممارسة تغير سلمي في حياته السياسية بوسائل سلمية. ويمكن القول ان غياب التغير السلمي في العراق كان المدخل لنشوء نظام مركزي شديد البطش في العراق، بل ان غياب التغير السلمي كان المدخل الذي وجده الحلفاء لضرب النظام وتغيره. هذه المرة جاءت دولة كبرى لتمارس ما يجب ان يمارس بشكل طبيعي من قبل المجتمع بشكله الطبيعي. ولكن السؤال الاكبر ماذا نتعلم من هذه التجربة وما معنى سقوط النظام العراقي؟ ان عالمنا العربي في طريقه للتغير. فتغير العراق هزة كبيرة سوف يكون لها افرازات على قدر كبير من الاهمية. فالمواطن العربي سوف يتساءل عن سبب سقوط العراق السريع، وسوف يتساءل عن المواقف التصعيدية والهجومية للنظام في العراق والتي ادت الى كارثة يدفع ثمنها الشعب العراقي وسط عجز حقيقي عن ربط المواقف والتصريحات بالافعال. في نهاية اليوم سقط العراق بيد التحالف دون ان يكلف ذلك التحالف ما يتجاوز عشرات القتلى (نسبة منهم بنيران صديقة)، وبالوقت نفسه خسر العراقيون شعبا وجيشا الوف القتلى، وقد لا نعلم قبل فترة طويلة حجم الخسائر في العراق وفي صفوف الجيش الجمهوري. هذا الواقع المؤلم الذي يعكس ميزانا غير متوازن وتفوقاً اميركياً بريطانياً اكبر من ان تتحمله دولة كالعراق هو الامر الذي يثير الكثير من التساؤلات. فكيف يرمي النظام في العراق بنفسه في صراع كهذا دون اي اعتبار لمصلحة العراق ومصلحة شعبه ومستقبله؟ ولماذا تتحدى دولة بحجم العراق الولايات المتحدة وبريطانيا وتدخل في حرب تلو الحرب ثم ينتهي بها الامر الى فشل شامل وانكسار لا يدفع ثمنه الا الناس بكل فئاتهم؟ ونتساءل كيف خدم النظام العراقي وكيف خدم مستقبل الامة العربية من خلال شعاراته واطروحاته وصرفه عشرات المليارات على جيش وحرس جمهوري، وحرس خاص، واسلحة، واجهزة مخابرات واسلحة كيميائية، وامكانيات لا تصمد اكثر من اسابيع ثلاثة امام التحالف؟ هذا السؤال يجب ان يتحول لسؤال رئيسي أمام كل عربي. فما فائدة الشعارات المضخمة اذا كنا لا نستطيع حمايتها، وما فائدة الاسلحة اذا كانت ستزول في ايام؟ وقد لا نستنتج من الشعارات والجيوش الا شيئاً واحداً: انها في جلها موجهة لقمع الشعب واخافته وابقائه في حلم غير حقيقي وفي خيال يسقط عند اول امتحان. ان الدرس الذي تعلمته اليابان كان في غاية الاهمية، فاليابان هي الاخرى قبل الحرب العالمية الثانية اعتنقت عقيدة قتالية واخرى استشهادية وثالثة تسليحية. ولكنها دفعت ثمنها كبيراً من جراء سوء قراءتها للتاريخ والواقع وموازين القوى، فقد ابيدت معظم المدن اليابانية، وقتل ملايين اليابانيين قبل ان تقع في صفوفهم صحوة مضادة، فقد انطلقت اليابان بعد الحرب العالمية الثانية باتجاه هدم الروح العسكرية وذلك لصالح الروح التنافسية ومهارة الانتاج وحب العمل والعلم. لقد انطلقت اليابان من سياسة شن الحروب واعتبار «السلاح زينة الرجال» الى الابتعاد عن الحروب واعتبار العلم «زينة الازدهار». اسئلة كثيرة تأتي مع هذه الحرب، فهل تتعلم بقية الدول العربية التي تقدس السلاح والشعارات وتمارس الكثير من القمع بحق مجتمعاتها وشعوبها من هذه التجربة؟ وهل تستطيع الدول التي لا تمارس الاصلاح والديمقراطية بان تبقى على حالها دون اصلاحات وتغيرات وتجديد؟ وهل تقبل المجتمعات العربية بأن تحكم بشعارات بينما تحرم من الخبز والحقوق واسس الحرية والاحترام؟ بمعنى آخر ان ما وقع في العراق سوف يغير العراق، ولكن ما وقع في العراق سوف يترك آثاره في كل مكان في بقاع العرب. ـ استاذ العلوم السياسية