الجمعة 9 صفر 1424 هـ الموافق 11 ابريل 2003 على الرغم من ان الحرب على العراق، حجبت مؤقتاً الكثير من الأضواء عن القضية الفلسطينية، الا ان هذه تبقى في قلب اهتمام كل عربي، ولا سيما ان نتائج الحرب، سوف تنعكس على مستقبلها، بصورة دراماتيكية ومؤكدة، وقد ظهرت في الفترة الاخيرة، مستجدات كثيرة تستحق المتابعة والمواكبة، مثل تعيين محمود عباس رئيساً للوزراء في السلطة الفلسطينية، واحتمالات تغير شكل الانتفاضة، او توقفها المؤقت، والتلويح الأميركي ـ البريطاني باتخاذ موقف حازم ازاء تنفيذ خطة خارطة الطرق، ارضاء للعرب وتهدئة لمشاعرهم حيال ما يحدث في العراق. والتساؤل المهم الذي قد يطرق اذهاننا الآن: ما شكل التطورات المرتقبة على الساحة الفلسطينية ـ الاسرائيلية بعد تسلم محمود عباس سلطاته الفعلية وهو الذي يشار اليه بأنه يمثل (الاتجاه المعتدل)؟ هل يخفت في المرحلة القادمة أزيز الرصاص، وتهدأ طلقات المدافع وتضعف رعود الانفجارات، فيحل محلها القذف بالحجارة والرشق بالزجاجات الحارقة، وتنظيم المظاهرات والاضرابات والاعتصامات، كما كان الحال، في الانتفاضة الاولى التي سبقت اتفاقيات اوسلو؟ ام ان الامور ستخرج من دائرة قعقعة السلاح وهدير المتفجرات والعبوات الناسفة والسيارات المفخخة الى دائرة المفاوضات والمساومات والصفقات السياسية؟ ضبابية الموقف ان الجميع متفقون على ان الموقف في الشرق الاوسط يلفه الغموض، والصور فيه غائمة والجو متلبد بالغيوم، ولا سيما بعد الحرب على العراق ولا شك ان الكثيرين من الفلسطينيين يتساءلون، عما اذا كان الابحار في قارب التفاوض وسلوك مسلك المسالمة، ام الاحتكام الى القتال وانتهاج نهج المقاومة المسلحة، هو الأجدى والأنفع. وليس من السهل معرفة اي الاتجاهين اسلم وافضل مردوداً من الناحية العملية، وان كنا نؤمن جميعاً بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة، وان المقاومة من حيث المبدأ هي خير سبيل لردع المعتدي، حتى يرعوي ويثوب الى رشده ويتراجع عن غيه، ولكن لكل سبيل من السبل سلبياته وايجابياته وحساباته الدقيقة وتحدياته. وبصريح العبارة نقول ان المواجهة المسلحة، حتى تنجح وتؤتي ثمارها وأكلها، يجب ان تكون مدروسة ومبنية على أسس راسخة، وحائزة على مقومات النجاح. والا تحولت الى فشل وتضحية بدون طائل، وربما الى انتحار. لقد سار الفلسطينيون في طريق الانتفاضة الاولى السلمية، ثم ركبوا مركب التفاوض المكثف، وبعد ذلك امتطوا صهوة الانتفاضة الثانية المسلحة وقدموا اكبر التضحيات. ولكن الرياح لم تأت بما تشتهي السفن، ومني هؤلاء بانتكاسة غير متوقعة، نتمنى ان تكون مؤقتة وعارضة: فكل ما حصلوا عليه حتى الآن هو اراض مقطعة الاوصال، اعادت اسرائيل احتلالها المرة تلو المرة حسب هواها. وهذا يعني ان سبيل المقاومة وطريق التفاوض، لم يسفرا كليهما عن نتيجة مثمرة، ولم يفضيا الى استعادة الحق الفلسطيني، وهنا تبرز العقدة، ويبدأ ضرب الاخماس بالأسداس، ونحتار جميعاً فيما يجب فعله، وهذا معناه ان علينا مراجعة سلوكنا السابق، واستخلاص العبر والدروس، تمهيداً للتخطيط من جديد، لقد تم تجريب النضال بالاحتجاج، ثم التفاوض، ثم الكفاح بالسلاح، كما اسلفنا، ولم تكن النتيجة النهائية مشجعة في الحالات الثلاث. ويرى الكثيرون ان الحل ربما يكمن في انتهاج جميع السبل في آن واحد مع اجراء تعديلات جوهرية في كل منها، الى جانب العمل على اسماع صوتنا العادل الى العالم بطريقة مجدية وفعالة، وبوسائل مقنعة، بدلاً من الاسترسال في الشكوى والأنين والاحتجاج. واذا تقصينا الجانب القتالي، وهو الأهم نجد انه لم يكن هناك اي شكل من اشكال التوازن في القوى بين الاسرائيليين الذين يملكون احدث الاسلحة والفلسطينيين الذين يفتقرون حتى الى الأسلحة المضادة للدروع، الا فيما ندر وهذا وضع عسكري هش للغاية ويحتاج الى اعادة نظر وتعديل واذا كانت الضرورة تقتضي تدعيم الموقف العسكري الفلسطيني عن طريق تصعيد المساعدات العربية، فإن من المهم ايضاً تغيير استراتيجية القتال، اذا تبين مستقبلاً انها الطريق الوحيدة التي يمكن ان تعيد الحق. وفي هذا المجال، هناك افكار ومقترحات متباينة، ولعل قصر الهجمات المسلحة على الجنود الاسرائيليين دون المدنيين العزل، يساعد على تحسين موقفنا الدعائي ويسحب من تحت بساط اليهود حجة اتهام المقاومة بأنها عمل يستهدف الابرياء. ومن جهة ثانية، فإن تحديد العمليات الهجومية ضمن المناطق الفلسطينية التي تحتلها اسرائيل بعد الرابع من يونيو، يجعلها في موقف حرج ويكسبنا ورقة رابحة، فالعالم كله يعرف ان وجود الجنود والمستوطنين في الضفة الغربية، هو احتلال غير مشروع، مما يجعل مقاومتهم بهدف اجلائهم عن الأرض، عملاً مشروعاً. وبتعبير آخر فإن الفلسطينيين يملكون حجة قوية عندما يهاجمون جماعات تحتل اراضيهم، في حين ان الإسرائيليين يجدون احراجاً في تبرير وجودهم في اراضي الغير. وهذا الرأي المتمثل بقصر المقاومة، ضمن الاراضي المحتلة، في الرابع من يونيو، قابل للنقض. وهناك من ينادي بتوسيع المعركة، لتشمل الاراضي التي احتلت قبل عام 1948، لأن هذه وتلك، اراض محتلة، سواء بسواء. ولكن المشكلة ان قسماً كبيراً من العالم، ولاسيما الولايات المتحدة، يعد مناطق عام 1948 جزءا من دولة اسرائيل، مما يجعل مهاجمة المدنيين العزل داخلها، في نظرهم، عملاً غير مشروع، وان كان العرب يعدونه اجراء يستهدف الضغط على الدولة العبرية لسحب قواتها من اراضيهم. موازين القوة واذا انتقلنا من الخانة القتالية الى الخانة التفاوضية، نجد ان المردود يعتمد على موازين القوى بين الطرفين. فإسرائيل تملك القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والاعلامية المتقدمة، مما يجعل موقفها التفاوضي متيناً على المدى القريب. اما الفلسطينيون والعرب عموماً، فإنهم يحوزون على ورقة الاعتراف او عدم الاعتراف بالدولة العبرية، وبالتالي ورقة انهاء او عدم انهاء النزاع معها، مما يعني انهم قادرون على منح إسرائيل الأمن، او حرمانها منه. ومن جهة ثانية فإن المجتمع الدولي يميل على الاغلب الى تأييد فكرة عدم احتفاظ الدولة العبرية بأية قطعة من الارض التي احتلتها بعد الرابع من يونيو. وهذان العاملان يجعلان الفلسطينيين في وضع تفاوضي جيد على المدى البعيد، ونستطيع بالطبع ان نضيف عاملاً ثالثاً غاية في الاهمية، ويتمثل بالكثافة السكانية العربية الاحتياطية. ومن هنا نجد ان القوة التفاوضية لدى الطرفين، تكاد تكون متعادلة، لانها في صالح الطرف الفلسطيني على المدى البعيد، وفي صالح الطرف الاسرائيلي في الامد القريب، كما اسلفنا. ونعتقد ان النهج الذي يجب اتباعه في اية مفاوضات مقبلة، هو التصلب في القضايا الجوهرية والمبدئية والمرونة والاعتدال في الأمور الأخرى. فالنهج التصلبي يجعل دول العالم، ولاسيما الولايات المتحدة تنقلب علينا وتتهمنا بعرقلة السلام. وبتعبير آخر فإن التصلب ينجح عندما يقترن بحمل اوراق رابحة، ولكنه يفشل حينما يكون مترافقاً بالضعف، وعندما يؤدي إلى فقدان التعاطف الدولي. اما الاعتدال الزائد عن الحد، فإنه قد يفضي إلى التفريط بالحقوق. وهكذا فإن مستقبل القضية الفلسطينية يعتمد على العديد من العوامل بالاضافة إلى النتائج التي ستتمخض عن الحرب على العراق، ومنها ما اذا كان اصحابها، سينهجون نهج التفاوض، ام يسلكون مسلك المقاومة، ام يجمعون بين الوسيلتين معاً، وهو الحل الامثل، لأن التفاوض وحده لا يكفي كما ان المقاومة بمفردها قد لا تأتي بالنتيجة المرجوة. ومن جهة اخرى، لابد من اجراء تغييرات اساسية على اسلوبي القتال والتفاوض. أما بالنسبة لما يسمى بالاصلاحات الديمقراطية المرتقبة داخل السلطة الفلسطينية، فإن الأمر يتوقف على طبيعة هذه الاصلاحات واتجاهاتها، وما اذا كانت ناجمة عن ضغط شعبي داخلي، ام عن ضغط خارجي. ان هناك اليوم عدة مقترحات ومشروعات للتفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وسيثبت الزمن وحده ما اذا كانت هذه مجرد فقاعات في الهواء، ام ان لها اساساً متيناً على الأرض. ولعلنا نذكر كيف ان الرئيس بوش الاب كان منذ «12» عاماً قد لوح بعزمه الاكيد على حل القضية الفلسطينية، بعد اخراج القوات العراقية من الكويت. والآن تتكرر الصورة نفسها، اذ نجد بوش الابن وتوني بلير يعربان عن عزمهما الاكيد على البدء بتحقيق حل سلمي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي على اساس مبادرة خارطة الطرق، حتى قبل ان تضع الحرب على العراق اوزارها. فهل يعيد التاريخ نفسه من جديد. ام ان اميركا قد استخلصت العبر من الماضي؟ وهل يعقل ان تغفل عن حقيقة ان الكثير من المشاعر العربية العدائية تجاهها ابان الهجوم على العراق، ناجمة عن عدم صدق وعودها السابقة للعرب؟ ـ كاتب سوري