الجمعة 9 صفر 1424 هـ الموافق 11 ابريل 2003 مهما تعددت مبررات إدارة بوش لاقتحام العراق عسكريا والبقاء فيه احتلاليا فإن المغزى العام الثابت هو ان ساحة الصراع الدولي ودعت عهدا من سيادة الدبلوماسية، لتستقبل عهدا جديدا من سياسة القوة الغاشمة. ببساطة اعلنت الولايات المتحدة العصيان المكشوف على منظمة الأمم المتحدة لتطبق مبدأ «الحرب الاستباقية» الذي استنه جورج بوش.. ذلك المبدأ الذي بموجبه نصبت واشنطن نفسها المرجعية الوحيدة والنهائية التي تتهم وتحاكم وتنفذ الحكم وفقا لرؤاها ومصالحها الذاتية. والسؤال الذي يطرح هو: كيف تتعامل القوى الدولية الاخرى مع الولايات المتحدة بعد الآن وقد انتقلت ادارة بوش من دائرة التنظير الى دائرة التطبيق.. من التهديد بشن حرب على العراق تحديا للإدارة الدولية إلى تجريد حملة تأديبية واشعال الحرب فعلا.. من الحرب الى الاستعمار الاحتلالي ومن ثم السيطرة الكاملة على موارد العراق الاقتصادية واحتكار الاستفادة منها باسم اعادة التعمير؟ السؤال موجه نحو فرنسا وألمانيا وروسيا والصين ـ أي جبهة القوى الدولية التي اتخذت موقفا دبلوماسيا حازما معارضا للحرب. لقد سبق شن الحرب، كما نستذكر ـ معركة دبلوماسية حامية الوطيس طويلة الأمد على صعيد مجلس الأمن الدولي بين جبهة المعارضين من ناحية والولايات المتحدة تعضدها بريطانيا من ناحية أخرى. وكما نعلم فإن الولايات المتحدة خسرت هذه المعركة الدبلوماسية خسرانا مبينا حيث فشلت في وجه معارضة شرسة في الحصول على قرار من مجلس الأمن بصيغة تتيح لها شن الحرب على العراق بغطاء من الشرعية الدولية فيبدو العدوان وكأنه ردع مشروع يجسد ارادة جماعية دولية. لكن إدارة بوش قررت أن تضع القوى الدولية المعارضة أمام أمر واقع فأدارت ظهرها للأسرة الدولية وشنت الحرب وهي مدعومة بسند بريطاني. وهكذا كانت نهاية المعركة الدبلوماسية الدولية لتفسح المجال لظرف جديد تماما: ظرف سيادة القوة المادية الغاشمة. انتهى الجدال حول تفسيرات القرار 1441 وعملية التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل ونزعها بالطرق السلمية.. وطلوع ونزول بليكس والبرادعي لتنفرد بالكلام صواريخ كروز وتوماهوك والقنابل العنقودية ودبابات أبرامز لينتهي الأمر الى اخضاع العراق، أرضا وشعبا وموارد، لادارة أميركية احتلالية. ونعود إلى السؤال المطروح: كيف تتعامل القوى الدولية المعارضة مع هذا الموقف علماً بأن وسيلة العمل الدبلوماسي لم تعد ذات موضوع؟ كيف تعالج هذا الأمر الواقع الذي افرزته القوة؟ لنتفق أولا انه لا يغلب القوة إلا قوة مضادة.. مع الاقرار طبعا بأن مصطلح «القوة» لا يقتصر على القوة العسكرية وحدها.. هناك أيضا القوة الاقتصادية. فهل تستطيع القوى الدولية المعارضة ـ فرنسا والمانيا وروسيا والصين ـ ان تجابه الولايات المتحدة بسلاح القوة المضادة؟ حتى هذه اللحظة، بعد مرور اكثر من ثلاثة اسابيع على الوجود العسكري الأميركي في العراق، لم تظهر علامات تدل على ذلك. فور اندلاع الحرب الأميركية في العراق أعلن الرؤساء جاك شيراك وجيرهارد شرويدر وفلاديمير بوتين تباعا أنها «حرب غير شرعية». وما أدلى به كل واحد منهم بعد ذلك على خلفية استمرار الحرب لم يزد شيئا جديداً على جوهر هذا التعليق. لكن حربا مشتعلة يصر المعتدى فيها على استمرارها لن تتوقف لمجرد ان طرفا ثالثا غير مشارك وصفها بأنها غير مشروعة. لقد توقف رد فعل القوى الدولية المعارضة للحرب عند حد الادانة اللفظية الفردية فلم تشأ اي من هذه القوى حتى دعوة مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار لوقف الحرب أو حتى لمجرد تسجيل ادانة جماعية. وظهر وضع جديد عند بلوغ الحرب فصلها الأخير وتطلع الولايات المتحدة الى الانتصار حيث بدأ الحديث عن كيفية إدارة العراق بعد الحرب. ولم يتردد جورج بوش في ان يعلن ان لواشنطن خطة جاهزة للانفراد بحكم العراق «لمرحلة انتقالية». ومدة اخرى تضع الولايات المتحدة القوى الدولية الأخرى أمام أمر واقع ثان استنادا إلى مبدأ القوة المادية.. ومرة أخرى ايضا تلجأ القوى المعارضة إلى الأسلوب الدبلوماسي. السؤال المطروح اذن ليس له إجابة وربما تكون خير إجابة له في الوقت الحاضر اعادة صياغته: هل يرضخ العالم لإرادة القوة الأميركية؟ والى متى؟