الجمعة 9 صفر 1424 هـ الموافق 11 ابريل 2003 ما أن بدأت الولايات المتحدة بإطلاق صواريخها على العراق جنوبا وشمالا، وإعلان أن هدفها الأخير هو بغداد، وان كانت شعارات حربها تلك تغيرت، من البحث عما تسميه بأسلحة الدمار الشامل إلى إسقاط نظام صدام حسين، حتى بدأ العالم كله يعيد حساباته ويحاول تبين مواضع أقدامه طبقا للإستراتيجية الجديدة التي اعتمدها البيت الأبيض بالانفراد بالقرار في العلاقات الدولية، والتخلي عن الثوابت التي كانت قائمة خلال النصف قرن الذي مر على إنشاء منظمة الأمم المتحدة التي كانت عماد هذا النظام وقاعاتها المكان الذي يتم فيه التوصل إلى قرارات لحل المشاكل الدولية الساخنة على أساس حساب رؤية الأغلبية وتغليبها على رؤية الأقلية، خاصة بعد ان تبين بكل وضوح، رغم الشعارات المتحركة بين الاهداف المختلفة. الهدف الحقيقي والرئيسي من تلك الحرب هو رسم خريطة جديدة للمنطقة بكاملها على أساس فرض السيطرة الكاملة والمباشرة عليها، وما يمكن أن ينتج عن هذه السيطرة من تأثيرات كبيرة في المجالات السياسية والاقتصادية العالمية. من هنا فإن لم تكن منطقة أميركا اللاتينية بأكملها بعيدة عن تلك المتغيرات التي يمكن أن تنجم عن استحواذ الولايات المتحدة على منطقة الشرق العربي، فبدأت بكل دولها ومنظماتها الإقليمية السياسية والاقتصادية تنظر إلى ما يحدث في المنطقة العربية، وبشكل أخص العراق، بعين القلق، وتحاول ترتيب حسابات جديدة مبنية على نتائج ما يحدث في الشرق الأوسط كله. ومن خلال تقصي تلك الحسابات والآراء التي بدأت تنتشر في العديد من مراكز اتخاذ القرار السياسي، وبين العاملين في مراكز البحث الاستراتيجي، فإن الرؤية التي توصلوا إليها تبدو قاتمة ومتشائمة إلى حد كبير، وبدأت أميركا اللاتينية تنظر إلى اليوم الذي يمكن أن تسقط فيه بغداد في أيدي القوات الأميركية والبريطانية الغازية، وتعتبره لحظة حاسمة قد تؤثر في مستقبلها تأثيرا سلبيا لعقود مقبلة طويلة على الرغم من المسافة الشاسعة التي تفصلها عن الشرق الأوسط جغرافيا، وهو ما يفسر الموقف الذي اتخذته كل من المكسيك والتشيلي عندما قاومتا الضغوط الأميركية التي نقلها إليهما رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا أزنار، ورفضتا صدور أي قرار عن مجلس الأمن يفتح الطريق أمام عملية غزو العراق، أو يمكنه أن يضفي «شرعية دولية» على عمل عسكري لا هدف من ورائه سوى تحقيق مصالح «أميركية» خالصة. نهاية مرحلة من خلال الاطلاع على العديد من التحركات السياسية ونتائج أبحاث المراكز الإستراتيجية هناك، يمكن تبين أن معظم السياسيين والمحللين في أميركا اللاتينية يعتقدون اعتقادا جازما أن غزو الولايات المتحدة وبريطانيا للعراق قدم العمل العسكري على العمل السياسي، وبذلك أنهى حالة سياسية دولية كانت قائمة على احترام حق الدول في اختيار أنظمتها السياسية الداخلية، وهو ما يمكن أن يكون مؤشرا على إمكانية عودة تلك المنطقة إلى حالة الانقلابات العسكرية التي ظلت قائمة في أميركا اللاتينية بدعم وتخطيط، بل وتنفيذ تحت الإشراف المباشر للمخابرات المركزية الأميركية. إضافة إلى أن العمل العسكري الأميركي البريطاني المنفرد ضد العراق قضى على قاعدة الرأي الجماعي في حل المشاكل الدولية، وتسبب بشكل مباشر في إضعاف المنظمات الدولية جميعا، وليس الأمم المتحدة فحسب، بل سيكون له تأثير سلبي على منظمات أخرى مهمة كمنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ولذلك بدأ الحديث في أميركا اللاتينية عن «ما قبل وما بعد غزو العراق». بل اللافت للنظر ان معظم السياسيين الأميركيين اللاتينيين كانوا يستخدمون كلمات «الغزو» و«الاعتداء» على العراق عند حديثهم عما يجري الآن وتأثيره على الأوضاع التي يمكن أن تنجم عن هذا الغزو، فالجميع متفقون على أن ما تقوم به واشنطن لا اسم له سوى «الغزو»، وأن التفوق العسكري في جانب الولايات المتحدة كامل وبشكل مؤكد، ومن هنا فإن سقوط بغداد ليس سوى مسألة وقت، وأن المقاومة الحالية التي يبديها العراقيون دفاعا عن بلادهم لا هدف منها سوى تكبيد الأميركيين أكبر خسائر ممكنة، ولكنهم يرون انه كلما ازدادت الخسائر التي يتكبدها الأميركيون في العراق يكون تأثيرها على أميركا اللاتينية اكثر سوءا، لأنها ستدفع البيت الأبيض إلى اتخاذ إجراءات انتقامية ضد الدول التي لم تدعم خطط الغزو، ومنها بالطبع العديد من دول أميركا اللاتينية، بادعاءات عدة منها ما تتضمنه تقارير المخابرات الأميركية التي تحاول ربط المتمردين في كولومبيا بالرئيس الفنزويلي هوجو شافيز، أو تلك التي تتحدث عن وجود جماعات مسلحة في العديد من بلدان أميركا اللاتينية مثل الاوروغواي والأرجنتين والبرازيل، في المنطقة التي يطلقون عليها مصطلح «الحدود الثلاثية، وتؤكد أن تلك الجماعات لها ارتباطات أيديولوجية واقتصادية بمنظمة «القاعدة» وغيرها من المنظمات الأصولية الإسلامية التي تتهمها الولايات المتحدة بتهديد أمنها الداخلي». مما قد يزيد الأمر صعوبة في علاقات دول أميركا اللاتينية مع واشنطن، أنه حتى في حالة كسب الحرب على ارض المعركة وسقوط بغداد، فإن المعركة السياسية سيكون من الصعب على البيت الأبيض أن يكسبها، وترجع هذه الصعوبة في كسب الولايات المتحدة معركتها السياسية في رأي الدبلوماسي الأرجنتيني «هوجو جوبي» الذي عمل لسنوات طويلة سكرتيرا مساعدا بالأمم المتحدة، أن واشنطن نسيت تأثير غزوها للعراق بعيدا عن الإجماع الدولي وما يمكن أن يسببه هذا لها من فقدان مكانتها السياسية في العالم: «بغزوها للعراق انتهكت ميثاق الأمم المتحدة وقضت تماما على قاعدة حل المشاكل الدولية بالحوار». وفي رأي «خوسيه فيثنتي رانخيل» نائب رئيس فنزويلا فإن الغزو الأميركي البريطاني للعراق دمر تماما حالة التوازن التي كانت قائمة في العالم حتى بعد انفراد الولايات المتحدة كقوة وحيدة بعد سقوط حائط برلين، وفي رأيه أنه عندما تميل الكفة في اتجاه واحد فإنها تسمح بانتهاك الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية للأطراف الأضعف، مؤكدا أن لحظة سقوط بغداد ستمثل لحظة بدء الخطر المحدق بمنطقة أميركا اللاتينية، لأنها ستكون المنطقة الأولى المعرضة لأن تمارس فيها واشنطن غضبها ضد من رفضوا مساندتها ولو بالبيانات. رعب السياسيين هذه اللحظة التي أشار إليها نائب الرئيس الفنزويلي تصيب العديد من السياسيين في أميركا اللاتينية بالرعب، خاصة أن الأوضاع السياسية الحالية في معظم دول تلك المنطقة تعيش حالة من الضعف تجعلها غير قادرة على مواجهة أي تحد مع الولايات المتحدة، فالوضع الاقتصادي في العديد من تلك الدول مثل الأرجنتين والإكوادور والبرازيل، أو حالة عدم الاستقرار السياسي في فنزويلا، والحرب الأهلية في كولومبيا تجعل من الصعب على أنظمة تلك الدول الحفاظ على استقلاليتها في اتخاذ قرارها السياسي في المسائل الدولية التي تكون الولايات المتحدة طرفا فيها، إضافة إلى أن هناك مباحثات صعبة تنتظر هذه الدول وأميركا اللاتينية لبحث علاقاتهما التجارية مع واشنطن في إطار مشروع «منطقة التبادل التجاري الحر» التي تحاول أن تنفذ من خلالها منتجات أميركا اللاتينية إلى الأسواق الأميركية الشمالية. لذلك يرى المحللون السياسيون هناك أنه ليس أمام منطقة أميركا اللاتينية سوى البحث عن شريك بعيد عن واشنطن، ولكن يجب أن يكون هذا الشريك على قدر من القوة يجعلهم يواجهون الموقف معا، وفي حالة الضعف التي تخيم على معظم التجمعات الإقليمية السائدة في العالم الثالث، ومنها بالطبع المنطقة العربية، فإن هذا الشريك في رأي معظمهم لن يكون سوى مع الاتحاد الأوروبي، لأنه في حالة التقارب مع أوروبا يمكن العثور على شريك قوي له وزنه السياسي الدولي الذي يشكل دعما حقيقيا، ولكن هناك الكثير من الشكوك في إمكانية قيام هذا التحالف الأميركي اللاتيني- الأوروبي في الوقت الراهن الذي تبدو فيه أوروبا منقسمة على نفسها في ظل خروج بلير وأزنار على شبه الإجماع الأوروبي المعارض لخطط جورج بوش. بداية النهاية! من هنا بدأ الكثير من السياسيين في أميركا اللاتينية يرسلون إشارات واضحة إلى أوروبا تطالبها بمد يدها إلى دول أميركا اللاتينية، لأنها على المدى البعيد ستتضرر من خطط واشنطن التوسعية في منطقة الشرق الأوسط وآسيا، لأن مشروع البيت الأبيض الاستراتيجي الحقيقي الذي تنفذه الجيوش الأميركية حاليا، وغزو العراق يعتبر مجرد حلقة من حلقاتها، يهدف في النهاية إلى إقامة منطقة نفوذ اقتصادي واسع النطاق تضم الخليج العربي ومنطقة ما حول بحر قزوين ووسط آسيا، لتكون رأس الحربة في التحدي الذي يمثله التوسع المستقبلي مع الصين، القوة المرشحة للعب دور القطب العالمي الثاني مستقبليا. وعند وضع هذه الخطط موضع التنفيذ بعد سقوط بغداد سيتحول الثقل الاقتصادي العالمي كله إلى تلك المنطقة، بما فيها الاستثمارات المالية والصناعية التي كان جزء كبير منها يساعد دول أميركا اللاتينية على الحفاظ على نموها الاقتصادي خلال العقود الأخيرة. إضافة إلى أن إحكام السيطرة الأميركية على العراق وبدء عملية «اعماره» سيفتح الباب أمام المنتجات الأميركية وحدها، ومنها تنتقل إلى كل أسواق منطقة الخليج العربي، وتحرم منتجات العديد من الدول الأميركية اللاتينية كالأرجنتين والبرازيل من سوق كبيرة كانت تصرف فيه منتجاتها. برغم التشاؤم المسيطر على صناع السياسة في أميركا اللاتينية إلا أن المنظرين والمفكرين السياسيين يرون أن هذه الحالة الجديدة التي آل إليها العالم بعد قرار واشنطن غزو العراق، والضرب بعرض الحائط بكل القوانين الدولية، وما قد ينتج عن هذه الحالة الجديدة من تداعيات ستكون بداية النهاية لما يسمونه «القرن الأميركي»، الذي تحاول إدارة الرئيس جورج دبليو بوش وضع أسسه حاليا. ولكنهم في الوقت نفسه لا يريدون الانتظار حتى زوال «الإمبراطورية» الأميركية، وبدأوا في البحث بشكل جدي عن مخرج من الأزمات الناتجة عن تطبيق الاستراتيجية الأميركية الجديدة، التي تتخذ من الحرب لغة وحيدة في التعامل مع شعوب العالم. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا