الجمعة 9 صفر 1424 هـ الموافق 11 ابريل 2003 في الملمات والشدائد، نلوذ بحكمة الاجداد وخلاصة تجاربهم، التي يزخر بها تراثهم العظيم من الحكم والامثال والاقوال والاشعار، نحاول ان نتصبر بها، وان نستلهم منها الوعي والقوة والعمل. وفي محنتنا الحالية، ردد كثير من المتحدثين والكاتبين مثلاً عربياً يقول: «انما اكلت يوم اكل الثور الابيض»، وهو مثل في قصة يروى ان الامام علياً ـ كرم الله وجهه ـ قالها، والحكمة المستخلصة منها ان التفرق والتخاذل عن نصرة الاخوان يؤديان الى التهلكة، حيث يسهلان على العدو البطش بالجميع متفرقين واحداً بعد الاخر. والمحزن اننا لم تصغ قلوبنا وعقولنا لهذا المثل الحكيم، ولم ندرك ابعاد الخطر الذي يحدق بنا، ولم نر ما بأيدينا من وسائل ومقدرات وطاقات كفيلة بالتأثير في حركة الاحداث واتجاه مسيرها، فكان ما كان وما يجري من مآسي الدم والخراب لاشقائنا في العراق، وفلسطين من قبل. على ان المقاومة الباسلة في العراق، وفي فلسطين، تستدعي الى الخواطر كثيراً من المأثورات الحكيمة التي تتناول الشجاعة والاقدام في الشدائد والملمات، ومن ذلك مثل رائع يقول: «ذكرتني الطعن وكنت ناسياً». وقصة هذا المثل، ان رجلاً انتقل بأهله وماله من بلده يريد بلداً اخر، فاعترضه بعض قطاع الطرق، وارادوا سرقة كل ما معه. اذهلت المفاجأة الرجل، وحار ماذا يفعل، فأمروه بترك ما معه من المال والاهل والنجاة بنفسه، فقال: دونكم المال فخذوه واتركوا الحرام (اي الاهل). فقال احدهم: اذا اردت ان نفعل ما تريد فألق رمحك. عندئذ تذكر الرجل ان معه رمحاً، وكانت المفاجأة قد اذهلته عن ذلك، فصاح: و«ان معي لرمحا؟»، وهجم على اللصوص بقوة، فقتلهم واحداً بعد واحد، وهو يرتجز قائلاً: «ردوا على اقربها الاقاصيا ان لها بالمشرفي حاديا ذكرتني الطعن وكنت ناسيا» فجرى قوله مثلاً يضرب في تنبه الغافل الى ما لديه من وسائل المقاومة والدفاع عن نفسه وحماه، وفي الدعوة الى التنبه الى ما نملك من طاقات كامنة قادرة على مواجهة الاخطار. والحق ان معنى الشجاعة والاقدام، يحظى بنصيب وافر ومكانة جليلة من المأثورات العربية، حيث يعد قوام الحياة والعزة والشرف والخلود، في الوجدان العربي. يقول مثل عربي: «احرص على الموت توهب لك الحياة»، وهو قول قاله الخليفة ابو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ في كتابه الى القائد خالد بن الوليد. وقد اخذه الشاعر فقال: «تأخرت استبقي الحياة فلم اجد لنفسي حياة مثل ان اتقدما» وفي المعنى نفسه يقال: «استقبال الموت خير من استدباره». ويقال: «بالاقدام يسهل كل صعب». كما يقال: «الشجاع مُوَقَّي (اي يتقيه الناس)، والجبان مُلَقِّي (اي عرضة للأذى والمهالك). ومن ذلك ايضاً قول الشاعر زهير بن ابي سلمى في معلقته، وقد جرى مثلاً: «ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم». وفي ضد الشجاعة والاقدام، اي في عار الجبن والتخاذل يقول المثل: «ان الجبان حتفه من فوقه»، ويضرب في قلة نفع الحذر من القدر، وهو مأخوذ من شعر قاله احدهم، وفيه: «لقد حسوت الموت قبل ذوقه ان الجبان حتفه من فوقه». ومثل ذلك يقال: «لا عيش لمن يضاجع الخوف». كما يقال: «خوف الردى للمرء شر من الردى». وخلاصة القول ان العزة والشرف والحياة الكريمة لا تكون الا بالشجاعة والاقدام وروح الاباء، وقد عبر المتنبي عن ذلك خير تعبير بقوله: «عش عزيزاً او مت وانت كريم بين طعن القنا وخفق البنود». وقوله في اباء الضيم والهوان: «غاير ان الفتى يلاقي المنايا كالحات ولا يلاقي الهوانا واذا لم يكن من الموت بد فمن العجز ان تكون جبانا». وهذا ما يلخصه المثل القائل: «المنية ولا الدنية». وقال أحدهم: اذا اردت ان نفعل ما تريد فألق رمحك. عندئذ تذكر الرجل ان معه رمحاً، وكانت المفاجأة قد اذهلته عن ذلك، فصاح: «وان معي لرمحاً؟»، وهجم على اللصوص بقوة، فقتلهم واحداً بعد واحد، وهو يرتجز قائلاً: «ردوا على اقربها الاقاصيا ان لها بالمشرفي حاديا