الجمعة 9 صفر 1424 هـ الموافق 11 ابريل 2003 9 إبريل 2003 يوم سيدخل في ذاكرة كل العرب للأبد، وأعتقد أنهم لن ينسوه طويلاً، مثلما لم ينسوا يوم 5 يونيو 1967 أو 15 مايو 1948 أو 2 أغسطس 1990 وتواريخ أخرى كثيرة دخلت الذاكرة ولم تخرج منها مثل سقوط الأندلس عام 1492 (نفس العام الذي شهد اكتشاف أميركا) أو سقوط بغداد تحت اقدام التتار وهولاكو في 10 فبراير 1258 أيام الخليفة العباسي المستعصم بالله. لكن ما يجعل يوم أمس الأول الأربعاء ملتبساً قليلاً لدى البعض على الأقل انه لم يكن فقط يوم سقوط عاصمة عربية تاريخية بحجم بغداد، تحت المجنزرات الأميركية، لكنه شهد سقوط أو اختفاء نظام حكم صدام حسين. هذا النظام وطبقاً لما نقلته الفضائيات من مشاعر بعض المواطنين يمثل بالنسبة لهم ما هو أبشع من الاحتلال، ولا أعتقد أن أحداً يملك حدا أدنى من العقل سوف يذرف دمعة واحدة على هذا النظام الذي جعل بعض مواطنيه يرون في العصابة الصهيونية بالادارة الأميركية حبل النجاة لهم. لن نكون عراقيين أكثر من العراقيين أنفسهم، فهم الأدرى بحقيقة نظامهم، وهم الذين عايشوه، وبالتالي يرجع إليهم أمر من يحكمهم.. لكن ما حدث لم يكن أمر صدام فقط ونظامه.. بل أمر الوطن العربي بأكمله وربما كل المسلمين. عندما هوى تمثال صدام في حديقة الفردوس تنازعتني رغبتان.. الأولى: فرح بما يفرح به أي مواطن عراقي اكتوى بنار هذا النظام، والثانية: حزن لا حد له، ليس على ما حدث لرمز النظام، بل لأن الأميركيين الذين صنعوا من الحدث دراما تلفزيونية كي يسوقوها إلى الأبد، يريدون ان يقولوا لنا نحن العرب، ولكل من يتجرأ على معارضتهم مستقبلاً: ذلك هو مصيركم.. هذه اللقطة التلفزيونية لهدم التمثال بعد أن ألبسوه علماً أميركياً هي رسالة بليغة وواضحة وفجة لكل حاكم تسول له نفسه بعد الآن أن يجرؤ على قول لا.. فالثمن هو دك قصوره الرئاسية أولاً، وبعدها تبدأ عمليات «المرمطة». صدام بغض النظر عن مصيره ذهب إلى غير رجعة، وحتى لو كان مختفياً أو أي مصير آخر، فقد أصبح ورقة محروقة.. والنتيجة النهائية أن بلداً عربياً اسمه العراق، وعاصمة حضارية اسمها بغداد، أصبحت تحت الاحتلال الاميركي المباشر. لا سامح الله صدام ونظامه.. فقد جعلنا فرجة لكل من هب ودب، ومادة للسخرية أمام كل العالم، وأصابنا في صميم كرامتنا، وأعطى الأميركيين فرصة تاريخية نادرة للتبجح عن حضارتهم مقابل همجيتنا، وتفوقهم مقابل ضعفنا، وأعطى الاسرائيليين سلاحاً لا يقدر بثمن، وأعادنا إلى الوراء مئات السنين. حتى الهزيمة العسكرية المشرفة لم ينلها.. سقط نظامه كصندوق كرتوني دون أن تكون هناك عاصفة، تبخر مثل الدخان، كأنه شبح. تلك اللحظات حزينة في حياة أي عربي يرى الغزاة يدنسون عاصمة الرشيد ومياه دجلة والفرات، لكنها لحظات سعادة لا تقدر بثمن في عيون الصهاينة وداعميهم، وحاملي لواء «الموضوعية» في وطننا العربي، وكذلك المطبعين. الأميركيون احتلوا بغداد.. هذا صحيح لكن العزاء الوحيد الذي نعرفه من كتب التاريخ هو أن البقاء للشعوب، ولم يحدث أبداً أن شعر محتل بنعيم احتلاله.. فإلى كل من يشعر أن ما حدث يوم الأربعاء هو النهاية نقول لهم: احذروا.