الخميس 8 صفر 1424 هـ الموافق 10 ابريل 2003 هكذا سقطت العواصم العربية واحدة تلو الأخرى.. هكذا بيعت أوطان بكاملها، ودفع الفقراء والأبرياء الثمن باهظاً من دمائهم وأرواح أبنائهم وكرامتهم! عام 1492 سقطت غرناطة، آخر معاقل الصمود الاسلامي في الاندلس، وقد كتب التاريخ فيما بعد بأن المدينة لم تحارب أعداءها، ولكنها استفاقت على وقع حوافر جيوش جرارة تحمل رايات مملكتي ليون وقشتالة الاسبانيتين، لم تهزم، ولم تستسلم، غرناطة ذهبت ضحية صفقة وقعها أميرها أبوعبدالله الصغير مع أعداء بلاده، سلّمهم مفاتيح المدينة الجميلة، مقابل سفينة آمنة تبحر به الى الضفة الأخرى من المتوسط، حيث بلاد المغرب، وحيث عاش في منفاه يمضغ مرارة خيبته وخيانته.. ولقد بكى كثيراً مثل النساء ملكاً عظيماً لم يحفظه مثل الرجال!! عام 1948 سقطت فلسطين في يد عصابات (الهاغاناه) الصهيونية وبمساندة التواجد البريطاني وتواطؤ الجيوش العربية، استفاق العرب على هزيمة 7 جيوش مقابل جيش واحد أقل منها كثيراً في العدد والعتاد. ولقد ذهبت فلسطين ضحية خيانات معروفة، وتواطؤات ما زالت أسرارها تتكشف يوماً إثر آخر.. بعدها بدأت مأساة شعب ما زال مشرداً بين الخيام والمخيمات والعواصم العربية ومنافي الشتات، كما انه ما زال يذبح من الوريد الى الوريد على أرضه وأمام أنظار العالم.. هكذا تباع الأوطان في الجغرافيا العربية! عام 1982، استفاقت بيروت على أرتال دبابات الجيش الاسرائيلي، وهمجية الجنرال شارون قائد الاجتياح.. وفي بعض أجزاء لبنان استقبل جيش شارون بالأرز والحلوى.. نعم اعتبر مخلصاً ومنقذاً من التنظيمات الفلسطينية التي كانت تكتب أسوأ فصولها على أرض لبنان.. ذهبت بيروت ضحية أهلها وصراعات عديد من الأنظمة العربية التي كانت تصفي كل خلافاتها وصراعاتها على أرض لبنان.. يومها سكت العالم العربي كله على تلك المأساة.. وفجّر مثقف لبناني رأسه برصاص مسدسه لأنه لم يحتمل تلك الخيانة العربية الكبرى.. مات خليل حاوي معلناً انتحار كل العواصم على عتبات بيروت وتحت المجنزرات الاسرائيلية! عام 1990 سقطت الكويت، بيد الأشقاء واخوة الجوار، وكان الغباء السياسي حاضراً في المشهد العراقي الرسمي الذي غزا بلداً شقيقاً بحجة حقل الرميلة، لكنه في المقابل فجر حقولاً من التصدعات في العقل والوجدان العربي.. كان الضوء الأخضر أميركياً كالمعتاد، لكن الذراع الضاربة في عمق القلب الشقيق كانت عراقية، وحده الغباء وجنون العظمة وعدم الوعي والادراك لنوايا الولايات المتحدة التي كانت تزج به في حروب عبثية مع جيرانه كي تستنزف قواه وموارده وثروته البشرية، كي تخلف العراق والعراقيين بقايا دولة وحطام شعب، ضماناً لتحطيم قوة لو تركت معافاة لشكلت الخطر الأعظم في المنطقة على المصالح الأميركية وعلى أمن (اسرائيل)! وفي اليوم الحادي والعشرين للحرب، سقطت بغداد، والبعض يصر على انها تحررت، بينما يسقط البعض في فصام ذهني فيقول: فتحت بغداد! فعلى أي العواصف والمجهول فتحت بغداد نوافذها في التاسع من شهر ابريل لعام 2003؟! لم تهزم بغداد، ولم تستسلم، ولم ينتصر الأميركان فيها، لقد ذهبت بغداد ضحية (صفقة) تواترت أخبارها البارحة في كل وسائل الإعلام.. أسكتت مدافعها، ووضعت دباباتها جانباً، وانسحبت قواتها وحرسها وأمنها وحتى رجال الأمن والشرطة والمرور.. أليس عجيباً أن تصحو مدينة فلا يكون فيها شرطي مرور واحد، أو رجل أمن على مداخل المؤسسات الرسمية؟! أليس فاجعاً أن تصمد قرية في حجم أم قصر لأكثر من عشرة أيام بتعداد سكان بسيط، بينما تستسلم بغداد في ساعات معدودات وهي العاصمة، ومركز القيادة، وتجمع نخبة النخبة من الجيش وقوات الأمن، وذات الثقل السكاني الذي يزيد على الخمسة ملايين! لقد ذهبت بغداد هدية سهلة للقوات الأميركية، بعد أن تسلموا مفاتيحها في احدى عواصم حياكة المؤامرات، مقابل خروج آمن لـ «حكامها» الذين اختاروا أن يكونوا أصناماً مرجومة في حياتهم، وأصناماً تسحب بالدبابات الأميركية وتقذف بالأحذية بعد رحيلهم!! ليس أسفاً على رحيلهم، فإلى حيث ألقت.. لكنها بغداد التي نبكي وتلك الأرواح التي انتزعت ببشاعة مقابل خيانات كأنها قدر هذه الأمة!