الخميس 8 صفر 1424 هـ الموافق 10 ابريل 2003 لو أنني كتبت عن حياتي الوظيفية لتحول ما أكتبه إلى كوميديا تتفوق على أي كوميديا أخرى. وربما رفعت على عدة جهات قضايا متهمة، إياي بأنني افسد موظفيها. أذكر ذات مرة أنني كنت سكرتير التحرير لمجلة كان يرأس ـ أو ترأس ـ تحريرها الدكتورة سهير القلماوي التي كانت في نفس الوقت رئيس ـ أو رئيسة ـ مجلس ادارة الهيئة التي تصدر المجلة. ولم تكن سهير القلماوي شخصية عادية بل كانت شخصية قوية تنتمي الى الصقور في الثقافة. وكانت أيضا بين الأساتذة الذين علمونا في الجامعة. وذات يوم اتصلت بي الدكتورة وهي متوترة: ـ خير! اتصلت بك بالأمس في المكتب فلم أجدك. ـ طبعا لأن الأمس هو الأحد. ـ وهل يوم الاحد اجازة. ـ أنا أتغيب عن العمل يوم الاحد والثلاثاء والخميس وطبعا يوم الجمعة! ولكم أن تتصوروا ماحدث من رئيسة شديدة مع موظف يأتي الى العمل ثلاثة أيام فقط في الأسبوع. ومن المدهش انني انتصرت في هذه المعركة. وفي وظيفة أخرى لم يعجبني المكتب فاخترت فندقا مجاورا للتواجد فيه. ولا أذكر عدد المرات التي عملت فيها ولا كل الأماكن. اذكر أنني عملت في وظيفة يوما واحدا. وكانت الوظيفة براقة فهي في مجلة تدفع مرتبات كبيرة. وكان رئيس التحرير من ضباط ثورة يوليو وكان سكرتيرا لجمال عبدالناصر ولا أدري هل عندما قابلته كان مازال في هذه الوظيفة. ولقد صار بعد ذلك وزيرا للسياحة. وربما لذلك كان مقر المجلة هو مجلس قيادة الثورة. وقالوا لي انهم تركوا لي تصريحا للدخول عند البوابة. وكان هذا طبيعيا، أما الذي لم يكن طبيعيا فهو انني عندما حاولت الخروج مساء سألوني أين التصريح، فلما قلت لهم ان التصريح معهم، وانني دخلت فعلا وقضيت في المكان ساعات، وأنا أريد أن أذهب الى بيتي. قالوا لي انهم لا يسألون عن تصريح الدخول فهذا امر انتهى، انهم يسألون عن تصريح الخروج. وكانت المرة الأولى التي اعرف ان للخروج تصريحا وأظنها المرة الأخيرة. وجلت في المكان أسأل عن تصريح الخروج، ولكن كل من أعرفهم ـ وكانوا قلة ـ انصرفوا ربما قبل انصرافي. ودخل الليل وأنا محبوس في المكان لا أستطيع الخروج. وأخيرا استطعت الاتصال بأحد المسئولين الذي امر بخروجي. ولما خرجت لم أعد الا بعد ثلاثين عاما أو أكثر عندما سجلت لقاء لاحدى القنوات هناك. وكان أول عمل وظفت فيه في شركة تأمين ولمدة شهر. وهربت قبل أن أحصل على مرتبي بعد ان أدركت انهم يريدون توريطي في اعمالهم، وكان رئيسي الوسيم جدا كنجوم السينما بطل فضيحة مالية في الثمانينيات. ورغم انني عملت موظفا لسنوات قليلة، الا أن القصة طويلة جدا. ولقد انهيتها ـ في وقت مبكر ـ ومع ذلك يعاودني حنين شرير الى الوظيفة بين الحين والحين. ما يضايقني هو صعوبة وجود وظيفة صالحة في هذا الوقت وهذه السن، ولكني وجدتها أخيرا. وهي غايتي من هذا الحديث. طبعا أنا مثلك بالضبط ملتصق بشاشة التلفزيون ادير جميع المحطات الفضائية والأرضية. ولقد اكتشفت منذ الأيام الأولى ماأظن أنك اكتشفته أيضا وهو أن الجميع يكذبون. وان الخبر الواحد يعتبر نصرا لكل من الطرفين. ومن الغريب ان كلا منهما يدلل على صحة مايقول بالصور. ولاحظت ان الكذب غير متقن «ربما تحت مظلة القاعدة الاعلامية القديمة: «اكذب واكذب فستجد أخيرا من يصدقك». واشهد أن الأكاذيب رغم انها صارخة وجدت من يصدقها بل ويرددها. لكن بعد قليل وقع الناس في حيص بيص: ماذا يصدقون؟ واعتقد ان الجميع في حاجة الى كاتب محترف يعرف كيف يصيغ البيانات فلا تتفجر الاكاذيب، بل يداريها بمهارة. وأعرف انني قد لا أجيد الكذب، وانني لا أرى نفسي كاتبا محترفا. ولكنني ازكي نفسي للوظيفة ولعلي اصلح لها. وأقدم لكم نموذجا لعله يرفق بأوراقي: عن القوات العراقية ـ حاولت قوات العلوج الأوغاد اقتحام مدينة (...) بأرتال متتالية، فتصدت لها المقاومة الشعبية وأعطبت دبابة واسقطت طائرة من طراز كذا. وألقت الطائرات المعادية القنابل على السكان فقتلت مئة من النساء والاطفال. عن قوات التحالف ـ قامت قوات التحالف بدخول مدينة (...) والسيطرة عليها واقامت فيها حكومة مدنية يرأسها الكولونيل (...) ولقد قتلت مئة من الحرس الجمهوري. ولقد خسرت قوات التحالف طائرة ودبابة بنيران صديقة. وقيادة التحالف تحذر من يقول ان المدينة قاومت. أرأيتم. هذا هو الاتقان! أما مايقدمه الأخوة الاعلاميون في هذه الحرب فهو من قبيل: ومازال القصف مستمرا منذ الغروب ولقد قتلنا ثمانين شخصا! فهناك من أصحاب الألسنة الطويلة من يقولون كيف حسبوا القتلى اثناء القصف. وهل اخترع الصينيون مسجلة تعد عدد القتلى. وربما ظهرت على الشاشة حتى يعرف الجميع ماحدث. وهذه الوظيفة التي أطلبها لا تقلل من قدر القادة العظام للحرب، فليس محتما على القائد ان يصيغ بيانا خاصة اذا كان البيان مبنيا على الخيال. ومن المعروف أن رؤساء الدول لهم من يكتب لهم خطبهم، واحيانا نعرفهم وغالبا نجهلهم. وحتى من هم دون رؤساء الدول يتخذون كتبة لهم. وهو نظام قديم في السلطة. ومن المعروف أن الخلفاء كان لهم كتابهم. ومن هؤلاء الخليفة المعتصم وكان أميا على غير عادة الخلفاء. والحمد لله ان امرأة عمورية التي استنجدت به صرخت عبر الاميال، فلو انها ارسلت رسالة لاختلف الأمر. وكان للمعتصم كاتب جديد أخذ يقرأ رسائل الامصار، ويبدو ان خط بعضها كان رديئا أو ان الرجل اربكته هيبة الخليفة، فالهيبة لا علاقة لها بالأمية أو التعليم، كيف أن الخليفة يملك حق قطع رقبة الكاتب حتى دون أن يرفع صوته. المهم ان الكاتب لهذا السبب أو لغيره ارتبك وهو يقرأ الرسالة فضرب الخليفة كفا بكف وقال: انا لله وانا اليه راجعون: كاتب أمي وخليفة أمي! ولقد حضرت عن قرب كارثة كاتب لمسئول. وكان المسئول وزيرا مهما جدا وكان سيلقي في الغد خطابا مهما، فطلب مدير مكتبه الذي كان رئيسا لتحرير مجلة تصدرها الوزارة وطلب منه اعداد خطاب لاجتماع الغد. ولم يكن الوزير يعرف ان كاتبه أمي. ولكن الكاتب كان يعرف. والمصيبة ان كاتب الكاتب لم يكن موجودا بسبب لا أعرفه، فلجأ الى كاتب متميز في مجلته.. ولم يكن يعرف أن هذا الكاتب أمي أيضا، فنسبة الأمية مرتفعة. وطلب منه اعداد خطاب بسرعة. واحتار الكاتب المتميز ـ وان كان أميا ـ فيما يفعل فسارع الى صديق له صعلوك وطلب منه أن يكتب له الخطاب. لكن الصعلوك رفض. فعرض عليه مالا ظل يزيده، فإذا أعجب الخطاب سيادة الوزير رضى عن مدير مكتبه، وبالتالي رضى عنه. وأخذ الصعلوك النقود اولا وجلس ليكتب مايريد. كان الوزير يمثل اليمين في الوزارة فكتب خطابا يساريا زينه بنصوص من ماركس ونقل فقرات كاملة من الكاتب الفرنسي الماركسي بولتزير. وأعطى الصعلوك الخطاب للكاتب المتميز متأخرا، فاعطاه الى رئيسه الذي دفعه الى الآلة الكاتبة دون قراءة. واستلم الوزير الخطاب قبل لحظات من بدء الاجتماع، فقرأ خطابا ضد كل افكاره. ولقد كتبت الصحف المحلية والعالمية عن تغيير في سياسة الحكومة وانقلاب أبيض في السلطة ولكن كل ذلك لم يكن صحيحا. أنا أريد أن أجنبكم هذه الاخطاء. أما المرتب فنحن لن نختلف.. نحن نريد ان نخدم وبس!