الخميس 8 صفر 1424 هـ الموافق 10 ابريل 2003 رأيت من المناسب طرح مثل هذا السؤال في خضم الأحداث المتلاطمة والملتبسة والحرب الإعلامية الدائرة بين قوات التحالف العدواني، الأنجلو أميركي من ناحية وجيش وشعب العراق الذي يواجه ببسالة وشجاعة نادرة أضخم آلة عسكرية في التاريخ والذي تصب فوق رأسه يوميا أكثر من مائة طن من القنابل والصواريخ والمتفجرات وبعضها محرم دوليا كالقنابل العنقودية التي اعترفت القيادة العسكرية لقوات العدوان أخيرا باستخدامها، وقبل أن نجيب على السؤال المطروح وهو هل يمكن لهذه الحرب أن يتسع نطاقها خارج الأراضي العراقية لتطول بلدانا أخرى كسوريا وإيران اللتين تلقيتا تهديدا مباشرا أو غيرها ككوريا الشمالية التي أعلنت أنها الهدف التالي بعد العراق، أرى من المناسب التذكير ببعض الحقائق التي أراها تساعد كثيرا في فهم وتحليل أبعاد الموقف وبالتالي تساهم في الإجابة عن هذا السؤال وهذه الحقائق نجملها في النقاط التالية: ـ معروف أن الحرب الإعلامية جزء مهم من الحرب النفسية ومفعولها أحيانا يتفوق على القنابل والمدافع والصواريخ وبدون مبالغة أو مجاملة أثبتت الأحداث أن الجانب العراقي كسب هذه الحرب الإعلامية والنفسية وذلك حيث لم تفلح إغراءات قوات العدوان في ضم أي جبهة داخلية من المعارضة في العراق الذي زعمت أنها جاءت تحرره كما أكد العديد من المراسلين الأجانب أن البيانات التي تذيعها الحكومة العراقية أكثر مصداقية من البيانات التي تذيعها قوات التحالف ومن ذلك مثلا البيانات التي تتردد دائما على لسان المتحدثين العسكريين لكل من القوات الاميركية والبريطانية عن مقتل جنود من قواتهم بنيران صديقة أو تدمير دبابات ومدرعات بنيران صديقة وهي أضحوكة لا يصدقها ساذج لدرجة أن أحدى شركات الإعلام الضخمة الأميركية فصلت صحفيا مرموقا يعمل مراسلا حربيا منذ حرب فيتنام لديها لأنه صرح على شبكة «سي إن إن» ان تصريحات العراق تكتسب مصداقية على حين تفتقر بيانات التحالف لهذه المصداقية فتلقفته كبريات الصحف البريطانية ليعمل لحسابها وهذه نقطة مهمة لا يمكن تجاهلها والتي تؤكد أن الجانب الذي يزيف الحقائق وهو جيش الاحتلال يعاني صعوبات ولا يمكن نشر الحقائق عن تلك الصعوبات. ارتباك الإدارة الأميركية واعترافها بعد مرور أيام قلائل بأن القوات الأميركية والبريطانية تواجه صعوبات وبالتالي قررت الحكومة الأميركية إرسال 120 الف جندي إضافي للعراق في غضون منتصف أبريل الجاري كما ضاعف الكونجرس بناء على طلب الرئيس الأميركي ميزانية الحرب بمبلغ إضافي مقداره ثمانون مليار دولار، هذا الارتباك اتضح خصوصا لدى قيادة البنتاجون الذي يبدو أن صقوره في مأزق حقيقي بدا ذلك في تصريحات وزير الدفاع رونالد رامسفيلد فمرة يزعم أن الجيش العراقي يتخذ المواطنين دروعا بشرية وأخرى يقول أن الحكومة تهدد الجماهير حتى لا تتحالف معنا ويقطع ألسنة الناس ويوزع التهم على سوريا وإيران ثم جاءت استقالة مخطط الحرب ومهندسها الصهيوني المتعصب ريتشارد بيرل الذي كان يقول العرب لا يعرفون الوطنية ولا ولاء لهم وإن الشعب العراقي سيستقبلكم بالورود وأعواد الأرز لا بالمدافع والرشاشات من منصب رئيس مجلس السياسات العسكرية في البنتاجون والذي قيل إنه استقال لفضائح مالية وإن كان هذا وحده ليس سببا كافيا بدليل أن نائب الرئيس ديك تشيني أسند إلى شركة أميركية كان يرأسهاعقود إعادة أعمار في العراق بعد الحرب بحوالي مليار دولار وبالتأكيد واضح المحاباة والمنفعة في إسناد المهمة فكان الأولى أن يستقيل النائب، صحيح قيل بعد ذلك أن العقد سحب من الشركة لكن لم يحاسب أحد النائب عن التصريحات التي صدرت وذلك حيث يسيطر على الإدارة الأميركية الحالية مجموعة من رجال المصالح بدءا من رئيسها بوش ونائبه تشيني ومستشارة الأمن القومي كوندليزا رايس وهو تطور خطير يوضح سيطرة أصحاب المصالح على الحياة السياسية في أميركا. خيبة الأمل والشعوربعدم الثقة لجنود قوات التحالف بعد القتال الشرس الذي يواجهونه في ميدان المعركة والخسائر التي تلحق بهم يوميا مما دفع اثنين من الجنود البريطانيين بطلب العودة إلى ديارهم فلبت لهم القيادة ذلك خوفا من بث روح الهزيمة واليأس في نفوس الباقين كما ظهر العديد من الجنود الأميركان على الفضائيات وهم يتحدثون عن الصعوبات التي تواجههم بداية من الصحراء بتقلباتها المناخية والشعب الذي انتفض عليهم والجيش الذي فوجؤا بتنوع فئاته وعناصره ودقة تنظيمه فعلق بعضهم ليست هذه الأرض الذي تدربنا على القتال فيها ولا هذا هو الجيش الذي تدربنا على مواجهته لقد أرسلونا هنا لنواجه مصيرا مجهولا إن شبح الموت يطاردنا كلما مضى علينا وقتا أطول هنا وهذه التصريحات كانت وراء حديث الخبراء الأميركان عن فشل خطة الحرب الأميركية. ظهور بوادر شقاق بين الحلفاء أميركا وبريطانيا في العديد من القضايا كان أهمها عدم إخبار رئيس الوزراء البريطاني بموعد الحرب على حين أخبر رئيس وزراء دولة الكيان مجرم الحرب إرييل شارون قبلها بحوالي 90 دقيقة وعدم إشراك الحكومة البريطانية في خطة إعادة الإعمار بعد الحرب وبالتالي تم تجاهل الشركات البريطانية وقد اعترف وزير خارجية بريطانيا جاك سترو بوجود خلافات وتأكد هذا بتصريح بريطانيا في أكثر من مرة في أنها لن تشارك في حرب تشن على سوريا أو إيران لقد أدركت حكومة بلير متأخرا بكل أسف أنها غامرت بحوالي نصف قواتها المسلحة في حرب ضروس لا ناقة لهم فيها ولا شاة. كل هذه القضايا وغيرها لايمكن تجاهلها ونحن بصدد الحديث عن اتساع نطاق الحرب في المنطقة وخصوصا اذا ما وجهت ضربات إلى كل من سوريا وإيران فعلاوة على الملاحظات السابقة لن تقدم أميركا على شن حرب أخرى على أي بلد عربي أو إسلامي في تلك المرحلة حتى وإن تم لها السيطرة على العراق وهو أمر مشكوك فيه وخصوصا العاصمة بغداد الذي يبدو أن القيادة العراقية تراهن على أن تكون معركتهم الأخيرة بمعنى أنها ستستخدم كل ما هو متاح لديها من أسلحة حتى وإن كانت أسلحة دمار شامل خصوصا إذا شعرت أن الموقف أوشك على النفاد من بين أيديهم وبالتالي سيكون هناك ثمنا باهظا لن يقل في صفوف القوات المعتدية عن عشرات الآلاف من الجنود وكم هائل من المدرعات والدبابات والعتاد فأميركا تعلم أنها خسرت سياسيا مقدما الحرب في العراق وحتى إذا بسطت نفوذها على البلاد لن تستمر لأنها أدركت أنها وقعت في مصيدة محكمة لن تخرج منها إلا وهي مثخنة بالجراح وهذا التحول في الموقف الأميركي ظهر في الأسبوع الأول من الحرب بعد مجموعة خسائر متوالية منيت بها قوات التحالف عن طريق إعلان الإدارة الأميركية أنها ستسند الحكم في العراق بعد الحرب إلى إدارة عراقية وليس إلى حكومة بقيادة جنرال أميركي يستمر في إدارة العراق من 3 - 5 سنوات كما كان مقررا سابقا علاوة على ذلك فإن أميركا ستسعى بكل الطرق إلى إعادة هؤلاء الجنود الموجودين في العراق إلى أهلهم تحسبا من ردة فعل غاضبة وخصوصا وقد أوشك ماراثون السباق إلى البيت الأبيض أن يبتديء ولن تفلت هذه الإدارة من حساب أهالي الجنود الذين بدأوا يستقبلون العشرات من القتلى - يقدرهم البعض بالمئات ـ ومئات الجرحى فماذا لو طال المقام بهؤلاء الجنود 6 أشهر أو عام وهو ما يقرره بعض الخبراء بالمدة المقررة لهذه الحرب. ـ كاتب مصري ـ جامعة الإمارات