الخميس 8 صفر 1424 هـ الموافق 10 ابريل 2003 لم تكن حادثة غزو العراق هي الحادثة الأولى من نوعها التي بيّنت مدى انكشاف الوضع العربي الراهن وهشاشته وتفككه، في مواجهة المخاطر والتحديات التي يتعرض لها. فعلى مدار أكثر من نصف قرن، من عمر «الاستقلالات» العربية، شهد الواقع العربي العديد من النكبات والنكسات كما تعرض لعديد من المخاطر والتحديات، لعل أخطرها وأهمها: نكبة فلسطين (1948) وعدوان حزيران (1967) مرورا باجتياح لبنان وحصار بيروت لمدة ثلاثة أشهر ثم احتلالها (1982)، وانتفاضة الفلسطينيين التي استمرت زهاء ست سنوات (1987 ـ 1993) وعملية التسوية (1991) والحرب العراقية ـ الإيرانية، وصولا لاحتلال العراق للكويت وحرب الخليج الثانية (1991) وأخيرا، وليس أخرا، وقائع انتفاضة الأقصى (2000) وغزو العراق؛ طبعا من دون أن ننسى المشاكل العربية البينية والداخلية والتي لا تقل خطورة عن كل ما تقدم، مثل: الصراع في جنوبي السودان، والأعمال الإرهابية في الجزائر، والصراع على الصحراء الغربية..الخ ففي مواجهة كل هذه التحديات أو النكبات تكشّف الوضع العربي عن هشاشة كبيرة تطال الدول والحكام والمجتمعات والأفراد كما تكشّف عن مكامن ضعف خطيرة تشمل بنى السياسة والاقتصاد والفكر، ويبدو ذلك على غاية في الوضوح في مجالات عدة لعل أخطرها وأهمها في: أولا، انكشاف النظام العربي السائد واستلاب إرادته إزاء الاملاءات الخارجية وعجزه عن حل القضايا والتحديات التي تعترضه، ففي هذا المجال لم يستطع النظام العربي إحراز النجاحات المرجوة ولو في حدها الأدنى. فإذا أخذنا، على سبيل المثال الجانب المتعلق، بالقضية الفلسطينية أو احتلال العراق للكويت أو حصار العراق والعدوان عليه، فإن النظام العربي بجموده وسلبيته وتشتته لم يستطع المبادرة لحلحلة هذه القضايا ولا إظهار القدرة على الردع، التي يمكن أن تجنّب الفلسطينيين استفراد إسرائيل الوحشي بهم أو أن تجنب العراق معاناة الحصار وويلات الحرب، على رغم أن قضيتي فلسطين والعراق، تظهران باعتبارهما محور اهتمام العرب (الناس والحكومات). واللافت أن هاتين القضيتين (فلسطين والعراق) تكادان تستهلكان الخطابات السياسية والجهود الدبلوماسية والمؤتمرات والندوات والمهرجانات، التي تعيد إنتاج الشعارات ووسائل العمل إياها، من دون التقدم بأية خطوة عملية إلى الأمام ودون ابتداع أية مبادرة لإنتاج خطابات ووسائل عمل جماعية جديدة، وهو ما أبقى مستوى التعامل مع التحديات المتعلقة بقضيتي فلسطين أو العراق دون الحد الأدنى، وترك الشعبين الفلسطيني والعراقي يواجهان مصيرهما لوحدهما، في تأكيد فاضح على صحة مقولة: أن «العرب مجرد ظاهرة صوتية». وفي القضية العراقية، مثلا، بدا للوهلة الأولى وكأن العرب متحدون في رفض الحرب الأميركية ضد العراق، في حين أنهم عمليا لم يستطيعوا الارتقاء بموقفهم (اللفظي) هذا إلى مستوى خلق الآليات وتوحيد الطاقات في سبيل صدّ الغزو أو الحؤول دونه، على الأقل، وهو موقف لم يرق إلى حدود الموقف الدولي (الأوروبي والروسي والصيني) المندّد بالحرب والرافض لها، ولم يرق، هذا الموقف العربي المتردد والمراوغ، على الأغلب، حتى إلى حدود الموقف التركي، حيث انبرت تركيا تدافع عن مصالحها الخاصة في مستقبل العراق، ما بعد الحرب، برغم كل علاقات التحالف التي تربطها بأميركا وبرغم انتمائها لحلف الأطلسي. وكما بات معروفا فقد بينت مداولات القمة العربية (في شرم الشيخ) عجز معظم النظام الرسمي العربي واستلاب إرادته، فهذا النظام لم يقدر على منع الحرب، ولم يقل كلمة واحدة في إدانتها، وهو أضعف الإيمان. ثانيا، يبدو العقل العربي الجمعي (على الأغلب)، وفي مواجهة كل ما يجري، أميل للهروب من مواجهة المشكلات الذاتية وتأجيل الاستحقاقات الداخلية والتردد في التصدي للمناطق المحرّمة، بما يخص قضايا السياسة والفكر والمجتمع، بسبب كوابح السلطات (الذاتية والخارجية)، وبسبب ميله للتركيز على المباشر والسطحي والآني، في تعامله مع الأحداث والتحديات والظواهر. ونتيجة ذلك تبدو السياسة بمعناها الضيق والمباشر، التي هي (على الأغلب) مجرد مواجهات مستمرة مع الخارج (وفق عقلية المؤامرة)، هي الموضوع الأثير للعقل السياسي العربي، كونها مواجهات تعفيه من الاشتغال على قضايا المجتمع وتصرف الناس عن التفكّر بحاجاتهم ومشكلاتهم (السياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية)، التي يبدو حلها شرطا لازما لتحصين مجتمعاتهم وبالتالي تفعيل مساهمتهم في مواجهة أي تحد يأتيهم من الخارج، كما أن هكذا سياسة تغطي على مشكلات النظام الرسمي وتبرر عجزه عن مواجهة التحديات ومسئوليته عن تدهور الأحوال. وهكذا ففي قضية فلسطين والعراق جرى على الأغلب التركيز على المؤامرات والأطماع والمخططات الخارجية في كل ما جرى وما يجري، مع حجب عوامل الضعف الذاتية، التي تتفاقم يوما بعد يوم، ومع التغطية على المسارات الداخلية التي سهلت على هذه المؤامرات والمخططات المرور برغم كثرة الحديث عنها! ثالثا، أكدت طبيعة ردود فعل النظام العربي على المخاطر والتحديات التي يتعرض لها العالم العربي كم أن هذا النظام قوي وشديد البأس تجاه الداخل وضعيف وسريع العطب تجاه الخارج، وهذا برغم كل الإنفاق على الجيوش والتسلح والأمن، بدلا من الإنفاق على التعليم والبحث والتنمية والخدمات الصحية والبنى التحتية. واللافت هنا أن النظام العربي ومن دون أي خجل أو وجل يظهر ضيق الصدر تجاه المظاهرات وتجاه مختلف أشكال التعبير التي تلجأ إليها القوى الشعبية، لإظهار مشاعرها القومية والأخوية تجاه ما يحيق بالشعب الفلسطيني أو تجاه ما يتهدد العراق، في حين أنه، في بعض الاحيان يبدي كل أشكال التسليم للاملاءات الأميركية، والمرير في الأمر أن ذلك يجري في وقت تملأ فيه هذه التحركات الشعبية مدن العالم، بما في ذلك شوارع المدن في الولايات المتحدة وبريطانيا وأسبانيا وأستراليا! ـ كاتب فلسطيني