الخميس 8 صفر 1424 هـ الموافق 10 ابريل 2003 أكتب هذه السطور يوم الثلاثاء الثامن من ابريل الجاري ـ اليوم الذي دخل لتوه السجل التاريخي للعدوان الاميركي على العراق الشقيق كيوم «مذبحة الصحفيين العالميين».. وأبادر فوراً الى القول والمخاطرة بالتنبؤ بأنه يوم له ما بعده. فاستخلاص الوحيد الذي استنبطه الان وللتو من هذه المذبحة ان دونالد رامسفيلد يعد نفسه وقواته على الارض لارتكاب فظائع في بغداد ليس لها نظير. وامتدادا لهذا الاستنباط اقول ان ما يعد له رامسفيلد يقتضي من فرط فظاعته الا يكون في المشهد الداخلي شهود عدول. ومن هنا كان ذبح المراسلين والمصورين. بشهادة من تبقى من الصحفيين على قيد الحياة الدموية في بغداد، كانت المذبحة قتلا عمدا دون ذرة شك على ايدي القوات الاميركية. في مسلسل مرتب اطلقت قذائف من دبابات اميركية مع سبق التصويب على مكتب قناة «الجزيرة» ومكتب قناة «ابوظبي» ومكتب وكالة «رويترز»، فكانت الحصيلة الفورية أربعة صحفيين.. علما بان وزارة الدفاع الاميركية وقواتها الميدانية على علم رسمي مسبق بالموقع الجغرافي لكل من الفضائيتين العربيتين وعلى علم مسبق ايضا بان «فندق فلسطين» الذي قضى فيه مصور رويترز الاوكراني الجنسية، هو مقر رئيسي للصحفيين الاجانب في بغداد. انها جريمة اغتيال دون شك راح ضحيتها اربعة صحفيين. وقبل ذلك بيوم قتل صحفيان: مصور اسباني وصحفي الماني. وقد ظلت فضائية «الجزيرة» مطاردة بوجه خاص منذ استهداف مكتبها في كابول إبان الحرب الاميركية في افغانستان في مطلع العام الماضي.. فاستهدافها في العراق هو في الحقيقة استئناف لمهمة سابقة. فقد تعرضت سيارة تابعة لها لاطلاق نار قرب بغداد وقبل ذلك تعرض مكتبها في البصرة لقذائف مباشرة. وفي الحالتين كان مصدر النيران اميركيا كما هو الحال في المذبحة الكبرى يوم الثلاثاء المنصرم. ما هو مغزى هذا التدبير الاجرامي الاميركي؟ جاءت الاجابة بصورة فورية من اثنين من الصحفيين المخضرمين، احدهما فرنسي والثاني عربي. قال جاك ماري بورزيه عميد الصحفيين الفرنسيين المتخصصين في تغطية الحروب منذ فيتنام الستينيات: «ان الضحية الاولى المطلوبة هي الحقيقة». وقال صلاح الدين حافظ نيابة عن اتحاد الصحفيين العرب «ان الهدف هو منع المراسلين المستقلين من نقل فظاعات ترتكبها او تعتزم ارتكابها القوات الاميركية في بغداد». ولا فرق بين هذين الحكمين من حيث الجوهر. فالفظاعات الاميركية التي يشير اليها الصحفي العربي الكبير هي «الحقيقة» التي اشار اليها الصحفي الفرنسي المخضرم. ان القوات الاميركية تضمر فيما يبدو شيئاً فظيعاً بشأن بغداد قد يجلب على الادارة الاميركية ضجة احتجاجية عظمى داخل الولايات المتحدة وخارجها، مما يتطلب عدم وجود شهود أمناء أو وجود شهود زور دون غيرهم. لقد ثبت الان ان مخططي الحرب الاميركيين كان ولابد أن يفكروا في شيء اخر. هذا «الشيء الآخر» ربما يكون احد احتمالين: اما استخدام سلاح نووي صغير أو تكثيف غارات القصف الجوي بصورة عشوائية لتحويل بغداد واهلها جميعا، حاكمين ومحكومين، مقاتلين ومدنيين الى تراب.. وهذا في تقديري ربما يكون الاحتمال الارجح. ان مثل هذه الجريمة، بحجمها الاسطوري وفظاعتها غير المسبوقة، تجعل حتى رجالا من امثال دونالد رامسفيلد نزعت الرحمة من قلوبهم يتوخون هامشا، ولو ضئيلاً من الحذر يدفع بهم الى التفكير في الحيلولة دون وجود شهود من ذوي النزاهة المهنية العالية. ولذا فان مذبحة الثلاثاء ليست مجرد مذبحة عابرة. وانها رسالة. وهي رسالة موجهة الى الصحفيين الاحياء المقيمين في بغداد أو اولئك الذين يعتزمون الذهاب اليها. وتنطوي الرسالة على تهديد ضمني: «اركبوا الموجة الاميركية، وإلا..». لقد قرر الاميركيون اغتيال عدد من الصحفيين من أجل ارعاب رفاقهم الآخرين حتى يتفكر كل منهم مليا في كل رواية اخبارية أو صورة تلفزيونية قبل ان يقرر ارسالها أو اتلافها.