الخميس 8 صفر 1424 هـ الموافق 10 ابريل 2003 لأن الرئيس الاميركي بوش نشأ وسط بيئة نفطية فهو معني بالدرجة الأولى بالشأن النفطي، سواء من منظور الوعي العام كمستهلك أو مستفيد من هذا المورد الحيوي.. أو من منظور المصالح الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة بوصفه رئيسا وقائدا أعلى لقواتها المسلحة. وأيا كانت مصداقية الأحكام التي تنظر الى جورج دبليو بوش على أنه محدود الثقافة أو محدود الخبرة فالشاهد أن السيد بوش محاط باطار تفوح منه باستمرار رائحة النفط.كان حاكما لولاية تكساس وكم تعاملت أجيال من عائلته في تجارة النفط واقتصاداته.. هذا فضلا عن الانتماءات «النفطية» لاعضاء الحلقة الضيقة المحدقة بالرئيس الأميركي.. مثل السيد تشيني أو السيدة رايس وغيرهما ممن شغلوا لسنوات مضت مقاعد المستشار أو رئيس مجلس الادارة أو راسم الخطط والسياسات في مجال الذهب الأسود الثمين. قال الصحفي الكندي في هذا السياق ينقل الصحفي الكندي ديفيد فروم وقائع من لقاء ضمه مع الرئيس بوش (وكان فروم واحدا من كاتبي خطب الرئيس الأميركي)، وفي هذا اللقاء بادر السيد «فروم» الرئيس من باب المجاملة أو وربما من باب الاقرار بالحق وأغلب الظن من باب النفاق فقال ما معناه: ـ سيادة الرئيس.. لك كل التقدير لأنك في خطط الطاقة التي اصدرتها دعوت الى تحقيق هدف «الطاقة الرخيصة». وأشد ما كانت دهشة الأخ ديفيد فروم حين بدا الرئيس بوش غاضبا أو كالغاضب وقال ما معناه: ـ إن حكاية الطاقة الرخيصة هذه كانت من اسوأ ما صادفته أميركا.. لقد شجعت الناس على الزيادة الى حد التزيد في استهلاك كميات متصاعدة من النفط المستورد من خارج الحدود مما زاد من اعتماد السوق الأميركية على واردات النفط ومن ثم انكشافها أمام منتجيه (في الشرق الأوسط على وجه الخصوص) وأضاف بوش قائلا: ـ ثم جاءت حكاية سيارات «إس.يو.في» وهي اختصار حرفي لعبارة سيارات المتعة الرياضية وهي كناية عن سيارات الدفع الرباعي التي بدأت موضة في شوارع أميركا واجتاحت صرعاتها اعلانات الميديا المرئية والمقروءة الى أن شرفت بحمد الله أسواق أهلنا من بني العروبة الميامين ومن عجب أن يعدها الرئيس بوش ـ كما يقول ديفيد فروم في كتابه الصادر مؤخرا ـ أمرا سلبيا أقرب في رأي الرئيس الاميركي الى وحش الاستهلاك ولعنة المستهلكين لأنها «تشرب» بحورا من البترول بالمقارنة مع السيارات المهذبة الاقتصادية المتقشفة نفطيا التي طرحوها في السوق بعيد أزمة أو «صدمة النفط» التي اعقبت حرب أكتوبر عند منتصف السبعينيات من القرن الماضي. دوافع الحرب في ضوء هذه الرؤية النفطية يمكن للمحلل السياسي ان يفهم الصورة الأوسع والهدف الأعمق لدى النظر الى دوافع الحملة الأميركية على العراق ولا عليك في مثل هذه السباقات من اضافة دور بريطاني (أو أسباني أو استرالي) فتلك أدوار من قبيل التوابع التجميلية - الاكسسوار كما يقول المصطلح المسرحي، ولا عليك من التوقف عند الشعارات التي طرحت في بالونات الاعلام الاميركي من قبيل «دمقرطة» العراق أو «تحرير» العراق أو «تجريد» العراق من أسلحة الدمار.. الخ، فتلك كلها ذرائع تدخل في باب المماحكات التي لم تقنع أحدا بقدر ما أنها أكدت حجم النفاق المخاتل الذي جاء في ركاب الآلة الحربية الأميركية وتلك آفة سوف تظل تلاحق منظومة السياسة - الأفكار - الاعلام الاميركي في صميم مصداقيته لاسيما في عصر عولمة السموات المفتوحة التي لم تعد معها شعوب العالم بحاجة لا الى مزيد من وقت ولا الى كثير من امعان لكي تدرك وتكشف عنصر الكذب والصدق وعوامل الخداع والتحايل فيما يقدم إليها من معلومات وطروحات في مضمون الرسائل الاعلامية التي تتلقاها بالليل أو بالنهار. المسألة أشد خطورة المسألة أعمق وربما أخطر وأفدح بكثير من حكاية التحرير والدمقرطة وازالة نظام موصوف بالديكتاتورية والمسألة أبعد زمنيا عن الظروف والملابسات الآنية التي أحاطت بعمليات المفتشين وبما أدعته أميركا من أن العراق ارتكب «خرقا ماديا» لقرار مجلس الأمن الشهير رقم 1441 عاملان أساسيان المسألة ترجع في تصورنا الى عاملين أساسيين لايزالان يشكلان قوة الدفع للسياسة والتوجهات التي تصدر عنها الادارة الاميركية الراهنة وهما. أولا: عامل التوجه الامبراطوري ثانيا: عامل الرؤية النفطية وبالنسبة للعامل الأول - لن نوغل في استفتاء وقائع تاريخية بعيدة ولو نسبيا كأن ترجع مثلا الى مقولات التبشير بالامبريالية الاميركية التي واكبت حقبة الرئيس الاميركي الأسبق تيودور روزفلت في سنوات العقد الأول من القرن العشرين. إن الاحالة في سياقنا الراهن ستكون الى وقائع معاصرة.. وأوضاع ما برحت راهنة والى شخصيات ما زالت تقوم بأدوارها على مسرح الأحداث. رسالة الأستاذ هيكل لقد نشر الاستاذ محمد حسنين هيكل (مجلة وجهات نظر عدد ابريل 2003) نص رسالة بعثت بها الى الرئيس السابق كلينتون مجموعة الضغط (اللوبي) من الحزب الجمهوري تطالب فيه بالعمل على «اظهار عزم أميركا على أن يكون القرن الجديد أميركيا» تاريخ الرسالة كما ذكر الأستاذ هيكل هو 26/11/1998 لكن ثمة تاريخ سبق هذه الرسالة هو 3/6/1997 وقد شهد اعلان مباديء هذا اللوبي السياسي الجمهوري الصادر عما يسمى باسم «مشروع القرن الاميركي الجديد» ويدعو اعلان المبادئ الى: ـ العمل على صياغة شكل القرن الجديد (الحالي) بما يتفق ومباديء أميركا ومصالحها، وهذا يقتضي قوة عسكرية تجمع بين القوة والاستعداد بما يكفي مجابهة تحديات الحاضر والمستقبل الى جانب سياسة خارجية يكون من شأنها العمل بجسارة ودقة على تعزيز ونشر المبادئ الاميركية في الخارج.. فضلا عن زعامة قومية تكون على استعداد للقبول بالمسئوليات الكوكبية (العولمية حرفيا) للولايات المتحدة. على صعيد التنفيذ حصلت أوساط صحفية انجليزية على نسخة من تقرير سري أميركي صادر عن «المشروع» المذكور في شهر سبتمبر عام 2000 يقول: إن الاطاحة بصدام حسين هي البداية وليست نهاية الاستراتيجية (الأميركية) المطلوب تنفيذها.. باعتبار أن الاستراتيجية الأوسع والاشمل هي الحفاظ على التفوق الاميركي المطلق على مستوى الكرة الأرضية.. وفيما يشكل الصراع مع نظام صدام حسين مبررا فوريا، فإن الامر يتجاوز قضية نظام الحكم المذكور حيث يتجسد في ضرورة وجود قوة أميركية لا يستهان بها في منطقة الخليج وبالمناسبة ضم الموقعون على هذه الوثيقة اسماء مازالت تتردد في الأسماع مثل السادة: ريتشارد تشيني.. دونالد رامسفيلد.. جيب بوش (شقيق الرئيس وهو حاكم ولاية فلوريدا التي كانت الموقع - الفيصل في انتخاب شقيقه لرئاسة الدولة) بول ولفوفتز (صقر صقور الحرب في البنتاغون) اليوت ابرامز (أحد أركان الجناح اليهودي الليكودي في المشهد السياسي بالولايات المتحدة) ثم زلماي خاليزاد (مبعوث الرئيس بوش الى كردستان - العراق) وبديهي أن هؤلاء الموقعين يمسكون بأكثر من خيط حيوي وخطير من خيوط السياسة في العاصمة واشنطن وهي سياسة تغطي ساحتي الحرب والسلام على السواء. إن الحديث عن أهمية وجود قوة اميركية كبيرة وفاعلة في منطقة الخليج انما يقودنا الى العامل الجوهري الثاني الذي اشرنا اليه من قوى الدفع للسياسة الاميركية في هذه المرحلة. رأي كاتب ألماني لقد نشرت جريدة «الاندبندنت» البريطانية (عدد 31/3/2003) تحليلا بقلم الصحفي الألماني لوتز كلفمان (مراسل جريدة ديرشبيغل في نيويورك) يتناول فيه دوافع الحملة على العراق ويعزوها الى هدف نفطي مزدوج كما قد نسميه يرمي في شقه الأول إلى تأمين امدادات النفط الرخيصة، فيما يرمى في شقه الثاني ـ كما يوضح كلفمان ـ الى تحطيم منظمة الاوبك التي يصفها الكاتب الالماني بانها الكارتل - الاحتكار النفطي الذي يهيمن العرب على مقاليد الأمور فيه. يبدأ التحليل الذي نلمح اليه بملاحظة ذكية استقاها كاتبه من واقع الشعارات واللافتات المرفوعة في المظاهرات المليونية التي اجتاحت عواصم العالم من موقف معارضة شن الحرب على العراق وفي مقدمتها كان شعار «لا للدم مقابل النفط» وربما طالع البعض هذا الشعار ومروا من بعد مرور الكرام.. لكن الصحفي الألماني لا يلبث أن يقول بالحرف: ـ قليلون هم الذين ادركوا حقيقة الصراع الاستراتيجي الذي كان محتدما خلف مقولات التفتيش على الأسلحة أو انتهاكات حقوق الإنسان لقد كان جوهر القضية ومحورها يتمثل في سؤال يقول: من يسيطر على ما تبقى من احتياطيات النفط في الكرة الأرضية؟ تلك هي «اللعبة الكبرى» التي تدور رحاها في زماننا اذا ما استعرنا المصطلح الاميركي القديم - اللعبة الكبرى التي كانت تدور في القرن التاسع عشر بين بريطانيا العظمى وروسيا العنصرية.. وكانت صراعا امبرياليا حول مناطق اسيا الوسطى ورغم كل تصريحات الانكار الصادرة من واشنطن ـ يضيف الكاتب الألماني ـ فالمحقق أن النوازع الحقيقية لاميركا هي تحويل العراق الى بديل للعربية السعودية ليكون موردا استراتيجيا للنفط اللازم للاقتصاد الاميركي وليصبح حليفا رئيسيا للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط. عن اللعبة الكبرى بيد أن «اللعبة الكبرى في شكلها الجديد لا تتم ممارستها على أرض استاد الصراع في الشرق الأوسط وحده.. انهم يمارسونها أيضا في سائر مناطق العالم الغنية.. بموارد واحتياطيات الطاقة.. ما بين غرب افريقيا الى حوض بحر قزوين.. وهناك تدور رحى السباق المتدافع أو فلنقل المتكالب للفوز باحتياطيات النفط وبناء شبكات نقله عبر الأنابيب وهو سباق يفضي الى صراعات تزهق في غمارها أرواح وتسفك على ساحتها انهار الدماء. نفط العراق يمضي الكاتب الألماني موضحا الاهمية الاستراتيجية ـ النفطية بالذات ـ للعراق: ان العراق، «يجلس» على احتياطي فلكي من هذا المورد الثمين وقوامه 112 مليار برميل من النفط الخام، وهو مايوازي 12 في المائة من اجمالي الاحتياطي العالمي ويأتي في المرتبة الثانية مباشرة (إن لم يكن المرتبة الأولى في تقديرات محدثة) من الاحتياطيات العالمية المؤكدة فوق ظهر الأرض.. حيث لا يسبقه سوى السعودية التي تقدر احتياطياتها بنحو 262 مليار برميل أو مايوازي 25 في المئة من الاحتياطي العالمي، ومن مفارقات الأحداث ان العراق تحت طائلة الجزاءات - العقوبات التي كانت قد فرضتها قرارات مجلس الأمن على مدار عقد التسعينات، كان بمنأى عن أيادي الشركات الأجنبية - الاحتكارات الاميركية المتطلعة في شراهة ونهم الى استغلال مقدراته. حكاية رفع العقوبات ترى هل آن الآوان لكي تتطلع هذه الأطماع والاحتكارات النفطية - وفي مقدمتها الشركات الاميركية التي تتداخل خيوطها مع نسيج السلطة الحاكم في الادارة الأمريكية الى عراق مابعد الحرب حيث يهلل الفرقاء لرفع العقوبات الدولية وحيث لا يترجم الاجراء الى رفع معاناة طال أمدها وناءت بفداحتها كواهل المواطنين العراقيين، بل يترجم رفع العقوبات الى انه ازالة الحواجز وإلغاء القيود امام دخول الاحتكارات الاميركية الطامعة ولا بأس أن يأتي في ركابها شركاء دوليون أو اقليميون على مستويات أدنى من الشراكة - لكي يوظفوا استثمارات فلكية بدورها في صناعة نفط العراق؟ في هذا الصدد يضيف لوتز كليفمان قائلا: ـ إذا ماتم رفع العقوبات بعد الاطاحة (بنظام) صدام حسين، يصبح بوسع مؤسسات وشركات الطاقة الدولية أن تبدأ في استغلال حقول العراق الهائلة، وإذا ماتم استثمار ماقيمته 20 مليار دولار من أجل تجديد واستحداث مرافق نفطية في العراق، يصبح بوسع الناتج العراقي ان يلحق من حيث الحجم، في مدى سنوات قلائل - الى حيث يصل الى 7 ملايين برميل يوميا، أي مايصل الى عشر الاستهلاك العالمي، وهذا معناه بداهة زيادة بالغة في العرض ممايوصل - حسب قوانين السوق بداهة الى انخفاض شديد في الاسعار وهو بالضبط ماأصبحت تحتاجه الاقتصادات الغربية.. ولا سيما سوق الاستهلاك بالولايات المتحدة التي «تحرق21» مليون برميل من النفط مع مطلع كل صباح.. حيث يكون أكثر من نصف هذا المعدل اليومي مستوردا من خارج حدودها. الحرب والاقتصاد الاميركي من ناحية أخرى، فثمة بيانات مسقطة أو متوقعة على امتداد العقدين الحالي والمقبل من هذا القرن.. وفي ضوئها يمكن للمحلل أن يفهم مزيدا من الابعاد الموضوعية لما تم من شن الحرب على العراق (ومرة أخرى.. دعك من شعارات التحرير والديموقراطية ومحاربة الديكتاتورية وما الى ذلك من سقط المتاع الدعائي) تقول البيانات ببساطة مايلي: ـ ان أجندة الطاقة التي اعتمدتها الادارة الاميركية الحالية تقضي بخفض الانتاج المحلي من النفط داخل أمريكا بنسبة 12 في المائة على مدار سنوات العقد القادم. بهذا يتحتم سد ثلثي احتياجات الاميركان من الطاقة من المصادر الخارجية - أي من واردات نفطية - بحلول عام 2020. واردات تأتي من بلاد وراء البحار أو فلنقل تأتي من بلاد مابين النهرين المعروفة باسم.. العراق. وبعيدا عن التستر وراء الاحصاءات.. ناهيك عن التمحك في شعارات البروباجاندا.. فهاهو واحد من كبار الاقتصاديين بالولايات المتحدة.. هو لاري لندساي.. المستشار الاقتصادي السابق للرئيس بوش يصرح في سبتمبر الماضي قائلا بغير مواربة أو تزويق: ـ عندما يحدث تغيير في النظام الحاكم في العراق يصبح بوسعك أن تضيف خمسة ملايين برميل يوميا الى المعروض النفطي العالمي وعليه فإن النجاح في شن وادارة الحرب على العراق سيكون أمرا مفيدا بالنسبة للاقتصاد. ـ كاتب سياسي من مصر