الخميس 8 صفر 1424 هـ الموافق 10 ابريل 2003 في كل الحروب التي عرفتها البشرية عبر التاريخ، تسكت المدافع عند حسم المعارك لصالح طرف، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع السياسي والمفاوضات مع الطرف المهزوم عسكرياً، واملاء شروط من كانت له الغلبة في ميدان القتال، وفي أحيان استثنائية ينفرد الغالب بفرض ارادته دون حضور الطرف المغلوب إن غيبته محصلة المعارك، مثلما حصل في حالات قديمة وحديثة. صمت المدافع، لا يعني الانتقال تلقائياً إلى حالة السلام والاستقرار، بل قد ينذر بمراحل أشد فتكاً في جرائمها من القصف بقذائف الموت الرجيم، وقد يشعل نيران فتن تأتي على الأخضر واليابس، ويزرع بذور دورات جديدة من العنف والدمار. بعد أن تسكت مدافع الحرب الدائرة رحاها على العراق، وتدخل بغداد طوراً ظنت ونحن معها انها فارقته منذ استقلالها منتصف القرن الماضي، وطرد قوات الاحتلال البريطاني، ندخل نحن عرباً ومسلمين طوراً جديداً من التشكل والانصهار والمراجعة لكل حصاد الألفية الثانية، ونعايش من جديد محناً ومعارك كنّا نعتقد أن زمانها ولى، لكنها عادت وهي تتماهى في زي جديد لا يخفي تماثلها مع ما مضى من ميراث الصراع مع الوجود الأجنبي والاستعمار القديم. بغداد عاصمة الرشيد التي قهرت وأحرقت أوراق أحدث حلف استعماري معاد للمد التحرري العروبي في الخمسينيات حمل اسمها مع تركيا وباكستان ليكون مفرزة أمامية للاستعمار الأميركي الصاعد ليحل محل الامبراطورية البريطانية الغاربة، تعود من جديد لتدخل قهراً تحت الوصاية الأجنبية لكن هذه المرة وهي منهكة، مشتتة الرأس، مقطوعة الأوصال، منقسمة على نفسها، عيونها غائمة، فاقدة أبهى ما يميزها من طلعة عروبية شوهتها صور القمع والتنكر للآخر، وخليط شاذ من المازوخية والسادية السياسية التي شوهت أسمى قيم العروبة والوحدة وأمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة. قلوبنا محطمة، وعيوننا غاض دمعها، وتبلّدت الأحاسيس لفرط فداحة المشهد الذي يؤرخ لجيل شاهد السقوط الثالث لبغداد، والثاني لعاصمة عربية، على أن بيروت قامت عصية صامدة بعد حصار 80 يوماً واجتياح بربري صهيوني ومذابح، وأسقطت حكومة نصبت على ظهر دبابات الارهابي أرييل شارون، وفي نهاية المطاف استعادت وحدتها الوطنية، وأسقطت كل الخلافات الطائفية، وطهّرت جسدها وترابها الوطني من الاحتلال الصهيوني إلا جيوب قليلة ما زالت تلقى مقاومة بطولية تحت توحد وتناغم الشعب مع القيادة، وطوت صفحة الاقتتال دون أحقاد أو ثأر ذميم. بعد أن تسكت المدافع.. ستبدأ معركة المراجعة في دفتر الحرب، ومعرفة لماذا وكيف اندلعت وماذا حققت ولمصلحة من؟ وساعتها ستظهر أكاذيب تسد عين الشمس، ولا ندري إن كانت ستؤدي إلى محاكمات للمضبوطين متلبسين بجرم الكذب المشهود من الطرفين. على ان أخطر ما سيظهر من تحت رماد نيران الحرب، هو طلقات الغدر التي استهدفت شهود الحقيقة من الصحفيين ومراسلي الشبكات الفضائية، من غير لابسي الخوذات العسكرية المرافقين للقوات الأميركية البريطانية، هؤلاء الصحفيون الذين انحازوا للحقيقة وأدوا أمانة الكلمة والشهادة ودافعوا بدمائهم عن حق القاريء والمشاهد في المعرفة، معرفة ما يجري دون تلوين أو تعتيم أو تحريف تفرضه مناظير الرؤية العسكرية للجنرالات، وانتصروا لشرف الكلمة على سطوة القوة وكشفوا عورة امتهان القوة لحرية الإعلام، وفضحوا على الملأ ما صارت إليه الطغمة التي اختطفت أرض الحريات والأحلام وحولتها بأمراء ظلامها إلى قمعستان عظمى ووحيدة في عالمنا. بعد أن تسكت المدافع وتذهب «السكرة» وتأتي «الفكرة» سنكون مطالبين باعادة حرث الأرض العربية، وقلب كل سلة التفاح وتنقيتها من الثمرات المعطوبة التي أعطبت حياتنا، وأفسدت كل مشاريعنا الوطنية والقومية، وتمسك كقطعة الجمر ثوابتنا دون رطانة خطابية وشعارات ودون تأليه لأي زعيم أو تنازل عن جوهر حرياتنا لصالح الوهم، ونخرج من فخ المخادعة والنفاق ونصبح جميعاً مسئولين حكاماً وشعوباً عمّا نفعل بشفافية وقواعد ملزمة توائم بين «الشوروية» المستلهمة من تراثنا وأسس الديمقراطية الحديثة دون افتئات على واقعنا أو تجاوز لمقدراتنا وحاضرنا. بعد أن تسكت المدافع سيصبح مفروضاً علينا جميعاً خوض معركة فاصلة وحتمية تقف على عتبات منازلنا، تلزمنا بالخيار ما بين سلخ جلودنا والانصياع لمشاريع مفروضة تحت مسميات مغرية مخادعة تبشر بديمقراطية وتهدف لتدجيننا للآخر، وبين الفداء من أجل حرية للوطن تستلزم بالضرورة اعلاء لقيمة المواطن وحقوقه في المعرفة والشراكة في المسئولية وصنع القرار. حتى لو سقطت بغداد فلن تكون نهاية المطاف إلا لأوهام الطغاة سواء كانوا غزاة أو متربعين على عروشنا، ولتبدأ دورة جديدة من دورات تاريخنا العربي الذي غرس فينا عشق تخطي الانكسار والانتفاض من جديد.