الاربعاء 7 صفر 1424 هـ الموافق 9 ابريل 2003 وبدأنا نقطف ثمار الحرية على ارض العراق .. مهج الاطفال كانت بدايات القطاف، أرواح النساء واجساد الرجال الابرياء كانت قطافاً آخر . . كرامة الانسان العربي الشامخ في كل الارض العربية وهو يعرى ويضرب ويدهس بالاحذية ويساق كالقطيع تحت تهديد الرشاشات .. كانت الكرامة قطافاً من نوع مر .. مر جداً تجرعناه مشاهدة، وتجرعه أهل الرافدين الصامدين مرارات يومية، وذبحا من الوريد الى الوريد! بدأنا نتنسم بشارات الديمقراطية وقد تكفلت الدبابات وصواريخ الامس بابلاغنا الرسالة كأوضح ما يكون .. ودفع طارق أيوب مع زملائه من الصحفيين والاعلاميين حياتهم ثمنا للديمقراطية .. حيث لابد فللحرية الحمراء باب واحد، اذا اردت ان تلجه وان تنقل الحقيقة المختفية خلف الابواب، فإن عليك ان تتحمل مسئولية فعلتك، فالاميركان لا يتحملون مسئولية (الحمقى) الذين يخالفون الاوامر!! هكذا اعلن المتحدث الاميركي العسكري (فنسنت بروكس) من قاعدة السيلية البارحة بعد احداث الفجيعة التي ذهبت بأرواح الصحفيين. فإلى قناة أبوظبي الفضائية .. وإلى قناة الجزيرة .. والى طارق أيوب الشاهد والشهيد، والى ضحايا وكالة رويترز، الى كل الجرحى من الزملاء الاعلاميين: احتملوا فأنتم تدفعون خيار اصطفافكم الى جانب الحقيقة .. ورفضكم ان تكونوا في عداد جوقة شهود الزور في القافلة الاميركية. لقد ايقنت الولايات المتحدة منذ البدء انها ذاهبة للعراق تحت جنح الظلام المخيم على العالم كله لترتكب جريمة اعطتها هي الشرعية الوقحة، وكان لزاماً ان تبقى هذه الجريمة بلا شهود، وبلا شهادات .. وكما اخطأت في استراتيجياتها وتقديراتها العسكرية والسياسية كلها في البداية .. فقد اخطأت في تقديراتها الاعلامية، ايضا .. لم تستطع ان تحرث ارض العراق بالخواء .. لم تستطع ان تقتلع صوت الحقيقة، وشهادة الحق من ارض الصمود والمذابح .. فكان على المدافع والصواريخ ان تتكفل بالمهمة .. وقد كان وامام العالم. من لم يكن معنا فهو ضدنا، ومن لم يحارب الارهاب فهو ضمن معسكره وعليه ان يواجه حربنا ضده .. هكذا كان خطاب بوش، وهذه قناعاته ويبدو انها لم تعد قناعات رجل في حالة هستيريا نتيجة احداث في حجم احداث 11 سبتمبر، لقد صارت قناعة المؤسسة الاميركية من اقصى يمينها الى آخر يسارها، بدءاً بالمؤسسة السياسية وانتهاء بذهنية اصغر مجند اميركي جاء من تكساس حاملا جهله وانحرافاته الذهنية التي اقنعوه بها ليقول لنا: نحن في العراق فمن لم يحارب معنا حتى بقلمه وعدسته وكلمته فهو ضدنا، ونحن لا نضمن سلامته من أي هجوم او قصف!! قلنا ومازلنا نكرر بأن السلطة المطلقة التي تتباهى بها الولايات المتحدة لن ينتج عنها سوى جرائم مطلقة ومغرقة في الهمجية، وبأن الازمنة السيئة في طريقها مع وقع اقدام جنود السيد بوش الآتين من تكساس مقتنعين بأن الحضارة قد بدأت من هناك، وبأنه لا حضارة الا حضارة الرشاش والدبابة والقنابل المحرمة. لا يدري هذا القابع المدجج بسلاحه خلف دبابته ومدفعه بأن الحضارة هاهنا منبعها ومستقرها. وبأن لغة الدم لن تسكت صوت الحقيقة .. فهذا الشرق معمد بدمه مذ كان .. لا لشيء الا لأنه قرر ألا يكون مع عدوه أبدا وألا يقبل يد قاتله، وان لا يخرج من جلده ابدا. الاعلام العربي بخير اليوم طالما أوقد غضب اميركا ضده، هذا يعني انه يسير في الطريق المليء بالاشواك لكنه الطريق الوحيد الصحيح .. الاعلام العربي ايقظته الحرب وباركه العراق بكل جراحاته ومآسيه.