الاربعاء 7 صفر 1424 هـ الموافق 9 ابريل 2003 تبدو الكلمات مجوفة، فاقدة المعنى، مثل جثة بلا روح في هذه الظروف التاريخية الفاصلة بين زمنين، وبين طريقتين في الحياة. نحن الآن على مفترق طرق بين كارثتين، الأولى فلسطين، والثانية العراق. نهب للأرض في الأولى.. سرقة وطن بأكمله.. من الحلم في عيون الأطفال إلى الحلم بأن يجد الفلسطيني قبراً في ثرى بلاده. وفي الثانية نهب للثروة ووضع لليد عليها لكأنما العرب قصر سفهاء لا يعرفون كيف يتدبرون أحوالهم. برأيي ما يجري في العراق أكبر من مجرد سرقة نفط وأكبر من مجرد احتلال بلد له دوره التاريخي والحضاري المركزي في المنطقة. هناك اتصال بين المأساة الفلسطينية والمأساة العراقية.. لكأنما العدو أراد ألا ينسينا فلسطين فقط، وإنما أراد أن يجتث من على وجه كل من يهتف باسم فلسطين (وإن لم يفعل شيئاً حقيقياً لها) وأن يجعله أثراً بعد عين. ليست الأوطان وحدها هي المقصودة بالاحتلال وإنما الأفكار والعقول يراد لها أن تخضع لما يراه الأجنبي في مصلحته. من خلال متابعة سطحية لما يكتبه توماس فريدمان في الآونة الأخيرة لاحظت كيف انه يوجه مدافعه نحو الناصرية. رغم ان الناصرية ليست وجهاً في هذه الحرب، فقد كان البعث طوال تاريخه على تناقض كبير معها، وصل الى حد تورط صدام حسين في مؤامرة لاغتيال عبدالناصر أبطلت في مرحلة التخطيط لها. أفكار عبدالناصر لم تكن حاضرة هنا لا على المستوى النظري ولا على مستوى ميدان المعركة، ومع ذلك تستهدف بالنيران الأميركية دون سبب مقنع. في رأيي أن فريدمان لا يتحرك منفرداً ولا يكتب لقتل الوقت، ولا لازجاء وقت فراغ القراء، وإنما يعرف انه حينما يهدأ غبار المعارك العسكرية تبدأ معركة أخرى من أجل تغيير الأفكار والمفاهيم والرؤى المستقبلية. ـــ بدأت الخفافيش تخرج من أوكارها في هذا الظلام العربي الدامس.. كتابات تشكك في كل شيء وتشيع اليأس آملة في حصد نتائج الآلة العسكرية على المستوى المعرفي. التشكيك والتيئيس عملية تشبه حرث الأرض لاقتلاع جذور المحصول الذي تم حصده تمهيداً لزراعة نوع جديد.. القمح هنا يتم استبداله بالخشخاش.. والورد بالأشواك.. والمقاومة برايات الاستسلام البيضاء. ستوجه الطعنات إلى كل الأفكار والرؤى والمعتقدات العربية.. الأفكار الخلاقة قبل الهدامة.. والايجابية قبل السلبية.. ليس ذلك فحسب، بل ستوجه السهام الى التاريخ المضيء والجغرافيا العبقرية والدين السمح، ولن تنجو من الطعنات طباع الناس وأخلاقهم وطرق حياتهم ونظرتهم إلى الكون والدنيا والناس. ولأن الجمهور القاريء غاضب وقانط ويحس بالإذلال والمهانة، فإنه سيتقبل مثل هذا الجلد ليل نهار، ويمعن في تعذيب نفسه عله يطهرها من تقصير ما. كلنا متهم بالتقصير نعم، وكلنا يلوم نفسه لأنه لم يكن هناك في جبهة قتال، ضد عدو، أو ضد ظلم حاكم، أو ضد فكرة مسمومة، أو ضد من يختلقون أعداء وهميين. ستفتح النيران في كل اتجاه على دعاة الوحدة العربية الذين حذروا طويلاً من الفرقة، وها هي نتائجها، وعلى الحركات الاسلامية، لن تنجو فرقة أو حزب سياسي أو فكرة تداولناها في السابق من الرجم بالحجارة.. على الكتب التي نقرأها والقنوات التلفزيونية التي نشاهدها.. ستطال الحرب حتى أشياءنا الصغيرة محاولة أن تهزم بسمتنا في وجوه أطفالنا. ـــ عالمنا تغير كثيراً بسقوط بغداد في الفك الأميركي مثلما تغير عالمهم بانفجارات أميركا يوم 11 سبتمبر 2001. لم تعد أميركا تلك الدولة صاحبة الوجه الانساني المدافع عن حقوق الانسان وحريته.. خلعت واشنطن قناعها وأظهرت وجهاً حقيقياً بشعاً.. وجهاً عنصرياً بغيضاً كانت أميركا في نظر البعض أشبه بشابة محسنة تتجول في الطرقات، توزع ابتسامات أروع من ابتسامات الليدي ديانا، تعطف على المظلومين وتوزع النقود على المحتاجين، يلجأ الى دارها المشردون ومن انقطعت بهم السبل، والمناضلون من أجل الحقوق والحريات. انكشفت كل الأكاذيب السابقة.. الآن أميركا دبة اسطورية مسلحة من أخمص قدميها حتى شعر رأسها، تدهس في سبيل مصالحها كل شيء، تنهش بأظافرها عيون الأطفال كي تحولهم عمياناً، وتضع قدمها الثقيلة على مدن تاريخية فتحولها الى رماد.. تميل بفمها، تشرب المياه والنفط، وتشفط ايداعات البنوك، تهدم بيد وتنهب باليد الأخرى كي يصور لها انها تبني ما هدمه الآخرون.. أعداؤها دائماً هم المتهمون بالهدم واشاعة الخراب.. أما هي فبريئة من كل شيء. الحضارة الأميركية بأكملها حضارة شائهة غير سوية.. تخادع أبناءها قبل أن تخدع الغرباء، وقدر المخادعين أن ينالوا الاحتقار والرجم بالحجارة حتى الموت إن لم يكن اليوم فغداً.. وان لم يكن في الربيع، فحينما يأتي الخريف. كل أولئك الذين بشرونا بقرن أميركي تسود فيه العدالة والحرية وحقوق الانسان يشاركون في هذه الجريمة التي يتم ارتكابها بحق الانسانية. وكل أولئك يحاولون سرقة أشيائنا الصغيرة.. تاريخنا وحضارتنا وطريقة تفكيرنا وحقنا حتى في تبديد ثرواتنا. أولئك لصوص.. ليس أكثر من ذلك! ـــ ما قبل بغداد شيء، وبما بعدها شيء آخر.. إذا كان العربي يقبل في السابق بأن تستلب حريته تحت أي ذريعة، فلن يقبل ذلك فيما بعد سقوط بغداد، وإذا كان تعامل بسلبية مع احتلال دولة عربية واحدة، فلن يكون هو الرجل نفسه بعد أن تسقط دولتان. ولو كانت الولايات المتحدة جادة في الحديث عن إزالة تهديد، فإنه يفترض أن تنسحب في اليوم التالي لسقوط النظام، تاركة العراق للعراقيين يحكمونه ويتصرفون في ثرواته كما شاءوا. وإذا كانت أميركا عادلة، فعليها أن تضغط كي تعيد للفلسطينيين وطنهم المسلوب عنوة واغتصاباً. غير ان الأحداث تشير إلى انها ليست جادة ولا عادلة.. ديناصور يحاول ابتلاعنا ويطلب منّا ألا نحاول الافلات كي لا نؤلم أسنانه ولا نتسبب في وجع فكه. هم يحلمون ونحن نحلم.. يحلمون بابتلاعنا، ونحلم بالتخلص من شرورهم وازالة أقدامهم النجسة عن أوطاننا، نحن نحلم وجذورنا ممتدة في هذه الأرض ومزروعة منذ آلاف السنين، وهم معلقون في الهواء.. قوتهم في ضعفنا.. فلنتخلّص على الفور من هذا الضعف. لا أملك غير دعوة للتفاؤل هرباً من الكلمات المجوفة والجثث التي بلا روح، فرائحة الجثث في كل مكان بفضل «الحانوتي» القاتل.. أميركا