الاربعاء 7 صفر 1424 هـ الموافق 9 ابريل 2003 قد لا يسقط الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش قبل الرئيس العراقي صدام حسين، وقد يكون ذلك مؤكدا، الا ان الرياح الاميركية، التي بدأت تهب على بوش منذ الآن، وقبل ثمانية عشر شهرا من موعده مع الحلم بتجديد ولايته لفترة ثانية، تجعل خروجه من المكتب البيضاوي في البيت الابيض العام المقبل خيارا مؤكدا ايضا. لكن الأمر لا يخلو مع ذلك من مفارقة . اذ ليس من شأن سقوط صدام، في ضوء رفض الشعب العراقي للاحتلال الاميركي ومقاومته الشرسة له، ان يغير الكثير في بغداد ان لم يكن هذا التغيير في محصلته النهائية في صالح العراق، بينما ليس الامر كذلك بالنسبة للولايات المتحدة لا رسميا ولا شعبيا . فهذه الدولة، بعد الحرب على العراق، ستتحول الى نمر من ورق : مجرد دولة عظمى وحيدة، مشروع امبراطورية كونية على امتداد العالم كما يتصورها صقور ادارة بوش، ولكن من دون اسنان، اقله من دون اسنان تستطيع ان تحقق بها ما تريد من دون مقاومة. والمفارقة الثانية ان سقوط بوش هو ما يتحدث به الاميركيون انفسهم، او المتنورون منهم، بعد اقل من اسبوعين على الحملة الشاملة على العراق . اما العنوان فهو ان هذه الحرب، حتى لو نجحت عسكريا كما هو متوقع، ستفشل لا محالة على الصعيد السياسي. نصيحة للرئيس بوش على الطريق الى الخروج من البيت الابيض كيف؟! الكاتب في صحيفة النيويورك تايمز، ر. و . ابل. جونير، ينصح رئيسه في خضم الحرب على العراق بأن يحاول تذكر حقائق التاريخ، القريب منه في ما يتعلق بوالده جورج بوش الاب، والبعيد في ما يتعلق برئيس الوزراء البريطاني الاسبق ونستون تشرشل . يقول : بالنسبة للرؤساء، وبخاصة للقادة في زمن الحرب، يمكن لرأسمال السياسي ان يجف بسرعة من حساب البيت الابيض . ذلك انه بعد ان تصمت المدافع، تتجه عيون الناخبين الى مكان آخر، غالبا الى الحاجات الاجتماعية والاقتصادية للبشر . حدث ذلك مع ونستون تشرشل بعد الحرب العالمية الثانية، وكما يذكر هذا الرئيس ربما اكثر من غيره، فانه حدث مع والده ايضا. تدعيما لهذا الرأي، ينقل ابل جونير عن ممثل الولايات المتحدة السابق في منظمة الامم المتحدة ريتشارد هولبروك قوله ان بوش، على عكس الرئيس الاميركي الاسبق ليندون جونسون، لن ينسحب ابدا . انه طراز تكساسي مختلف . ولذلك فهو سيعمد الى التصعيد ثم الى زيادة التصعيد . في النهاية قد تنجح استراتيجيته العسكرية في تدمير صدام حسين ... لكن النتيجة ستكون اعلان جهاد اسلامي ضدنا وضد اصدقائنا . تحقيق هدفنا الضيق بتغيير نظام الحكم في العراق قد يستغرق وقتا طويلا لكنه سينتج ظروفا لن تشكل انتصارا لنا. واذا كانت الحرب مسألة سياسية تدار بأسلوب مختلف، وكانت محصلة هذه المسألة هي الفشل، يمكن اذا وقبل الوصول الى نهاية الطريق تصور ما ستؤول اليه الادارة التي ترفع شعار المسألة وتديرها بهذا الاسلوب . اما الكاتب في الصحيفة ذاتها، ديفيد سانغر، فينصح بوش بأن يذكر جيدا حدثين بالغي الاهمية في تاريخ الولايات المتحدة الاميركية : اولهما الحرب الاميركية - المكسيكية، وثانيهما الحرب الاميركية - الاسبانية، خصوصا ما شهدته البلاد فيهما . في الاولى، يقول الكاتب، عندما كان الرئيس جاك بولك يتعرض لضغط واحراج شديدين من قبل معارضيه، كان اكثر مصادر عذابه عضوا لمرة واحدة في الكونغرس اسمه ابراهام لينكولن . لقد استمر لينكولن في طرح شكوكه : لماذا بدات الحرب؟! ، في الوقت الذي كان فيه يكرر انه يدعم كل الاولاد «يقصد الجنود الاميركيين» المتواجدين في الجبهة. في هذا الموقع بالذات، يقول ديفيد دونالد كاتب سيرة حياة لينكولن، يقف الديموقراطيون الاميركيون في المرحلة الحالية . في الثانية حدث الشيء نفسه تقريبا، الا ان الكاتب الاميركي الشهير مارك توين خرج الى الشارع يومها ليصف الحرب التي شنها الرئيس حينذاك وليم ماكينلي بانها ورطة، ومستنقع، وكتب عن ذلك مقولته : لا بد اذا من ان هناك اميركتين اثنتين وليست اميركا واحدة، احداهما تعمل على جعل الاسرى والعبيد احرارا، والثانية تحتل اراضي هؤلاء الاسرى باسم الحرية. المعنى هنا واضح، بل بالغ الوضوح، في ما يتعلق بالحرب التي تشنها الادارة الاميركية حاليا على العراق، وخاصة في ما يتعلق باستطلاعات الرأي التي اشارت الى ارتفاع شعبية بوش في الولايات المتحدة بعد بدء الحرب . فهذه الشعبية، كما تتفق اجهزة الاعلام الاميركية على القول هي للأولاد على الجبهة وليست لبوش او لقرار الحرب الذي اتخذه من دون تفويض دولي او قرار من مجلس الامن ... ووسط تظاهرات ملايين البشر في آلاف المدن في العالم . في هذا المجال يقول ريتشارد كوهن، في الواشنطن بوست يوم 1 ابريل - نيسان، ان ثغرة الصدقية لدى ليندون جونسون تحولت الى جرح مميت له . تحول جونسون الى شخصية استقطابية لدرجة انه اكتفى بفترة رئاسية واحدة فقرر عدم الترشح لفترة ثانية. ومع ان كوهين يقول انه من المبكر اعتبار ان بوش نسخة مصغرة عن جونسون، الا انه يؤكد ان ما بدا مشتركا بين الحربين - حرب فييتنام وحرب العراق - منذ الآن هو العجرفة القاتلة مصحوبة بالاصرار على ان كل شيء يسير حسب الخطة الموضوعة. هزيمة سياسية لقد ارتفعت في الولايات المتحدة في الايام الاخيرة وتيرة الحديث عن فيتنام اميركية جديدة «وفي بريطانيا عن فيتنام بريطانية يجرنا اليها توني بلير .. من دون فائدة الا للأميركيين كما قال روبرت كورنويل في الاندبندنت »لكن اللهجة هنا وهناك لا تقف عند الكلام على نصر او هزيمة في المجال العسكري بل تتعداها لتأكيد ان نتيجتها هي هزيمة سياسية من دون شك . هزيمة على المستوى الدولي، في ضوء الموقف الشعبي الحازم للرأي العام في العالم اضافة الى معارضة اكثر من ثلاثة ارباع الدول فيه للحرب، ولكن ايضا على مستوى الرأي العام الاميركي فضلا عن العداء لأميركا لدى اكثر من مليار مسلم في ارجاء العالم بصرف النظر عن المواقف الرسمية، المعلنة او المضمرة او الخجولة، لحكوماتهم . في احدى اللوائح التي نشرتها وزارة الخارجية الاميركية، عشية بدء الحرب، تظهر اسماء ثلاث وثلاثين دولة تحت عنوان انها مؤيدة للحرب اضافة الى خمس عشرة دولة قالت الوزارة انها فضلت ان تبقى اسماؤها طي الكتمان . في هذا الكتمان، كما هو واضح، دليل على ضآلة - وحتى فقدان - الدعم للحرب - وللولايات المتحدة بالذات - لأن لا تفسير لتلك السرية الا في ان هذا الدعم مرفوض من الرأي العام في تلك الدول .. وبالتالي فان مواقف الحكومات، وربما الحكومات ذاتها، مرفوضة بدورها ان لم يكن في هذه المرحلة من الحرب ففي المستقبل القريب . تؤكد ذلك نتائج استفتاء اجرته، في الفترة ذاتها تقريبا، مؤسسة محترمة لاستقصاءات الرأي على مدى العالم تعرف باسم ُّكميُْذ َّملُِّّيُُّّء ٌفقٌُا ٌّمخ موش . كشف الاستفتاء، الذي نشره الاتحاد الاوروبي، عن مستويات غير مسبوقة من الكره للولايات المتحدة - وليس للحرب على العراق فقط - في عموم اوروبا : 84 في المائة في تركيا، 74 في المائة في اسبانيا، 71 في المائة في المانيا، 68 في المائة في روسيا، و67 في المائة في فرنسا . في بريطانيا وحدها، كان الموقف مختلفا وان لم تكن نسبة التاييد للولايات المتحدة مرتفعة كثيرا . لقد قدم خطاب بوش الابن منذ وصوله الى السلطة، ثم لاحقا بعد الحادي عشر من سبتمبر العام 2001، صورة زاهية للولايات المتحدة في المستقبل باعتبارها الامبراطورية الكونية الاقوى، والتي ستمنع اية دولة اخرى في حال حاولت من منافستها في هذه القوة كما جاء في استراتيجية الامن القومي التي اصدرها بوش العام الماضي . حرب افغانستان كانت خطوة على الطريق، والحرب على العراق هي خطوة اخرى، لكن ما في الافق يشير الى ان حساب الحقل لن يكون متوافقا مع حساب البيدر كما يقول المثل . ... وخسارة بوش الابن في معركة تجديد ولايته لفترة رئاسية ثانية، لن تكون سوى دليل على الطريق الى الخسارة المحتمة ل الامبراطورية الكونية في محاولتها الهيمنة الكاملة على العالم. ـ كاتب لبناني