الاربعاء 7 صفر 1424 هـ الموافق 9 ابريل 2003 عندما قررت الولايات المتحدة تحت ادارة جورج بوش الأب شن الحرب الاميركية الاولى على العراق، كانت تجربة الحرب الفيتنامية وخلاصاتها الاعلامية ماثلة امام جنرالات البنتاغون وهم يخططون للحرب الجديدة الوشيكة. وكما رأينا فإن الخلاصة الاكبر من التجربة الفيتنامية هي فرض سيطرة عسكرية على التدفق الاخباري من مسرح القتال بما يحول دون استثارة المشاعر في الشارع الاميركي ضد الحرب. هنا نصادف مفارقة فالتحضير للحرب ضد العراق في عام 1990 ـ 1991 واندلاع الحرب تزامن مع دخول العالم لتوه عصراً اعلامياً جديداً ـ البث التلفزيوني المباشر بالاقمار الصناعية بمساحة العالم على مدار الساعة ـ اي عصر «الفضائيات» العالمية الذي دشنه ظهور «سي. ان. ان». وبينما كان المفترض ان تؤدي هذه الثورة الاعلامية الى انفتاح اخباري لمسار الحرب الوشيكة، إلا ان العكس هو الذي حصل بدخول جنرالات البنتاغون على الخط. بناء على خطة مسبقة جرى تحجيم وجود المراسلين الاعلاميين في مسرح القتال وبالتالي فرضت حالة من التعتيم الاخباري العمد، وعين جنرال كناطق باسم قوات «التحالف» يعقد مؤتمرات صحفية يومية يدلي فيها بإيجاز اخباري يقتصر على المعلومات المحدودة التي تقرر القيادة العسكرية العليا نشرها مع اخفاء ما ترى من معلومات. من هاتين التجربتين ـ فيتنام والحرب الاميركية الاولى على العراق في مطلع التسعينيات ـ توصل دونالد رامسفيلد الى استخلاص اعلامي جديد في سياق مخطط شن الحرب الاميركية الثانية على العراق ـ الحرب الراهنة. رامسفيلد مقتنع بطبيعة الحال بأن حرية النقل الاخباري اثناء سنوات الحرب الفيتنامية كانت تفضح اولاً بأول ما كانت القيادات العسكرية العليا تريد اخفاءه، وان التدفق الحر للاخبار هو الذي خلق بالتدرج رأياً عاماً معارضا للحرب في الشارع الاميركي، لكن رامسفيلد يدرك في الوقت نفسه انه بعد مرور 12 عاماً من الانفتاح الاعلامي العالمي الكبير الذي أتت به ثورة البث المباشر بالاقمار الصناعية على مدار الساعة فإن فرض تعتيم اعلامي شبه كامل، كما جرى في الحرب الاميركية الاولى على العراق عام 1991، لم يعد ممكناً او مقبولاً. فماذا يفعل رامسفيلد لفرض سيطرة عسكرية على التدفق الاخباري في الحرب الاميركية الثانية على العراق دون ان يبدو الامر كذلك؟ لقد اهتدى رامسفيلد الى نظام «المرافقة» ان يرافق مراسلو الشبكات التلفزيونية والاذاعية والصحف الوحدات القتالية الاميركية في مسارح الحرب المختلفة على ان تخضع التقارير التي يبعثون بها لرقابة اعلامية من القيادات العسكرية الميدانية.. بالتالي تبث المعلومات التي يريدها هؤلاء العسكريون ولا يبث غيرها. ولم تقبل كل المؤسسات الاعلامية بهذا النظام. لكن المؤسسات التي فضلت ان يكون مراسلوها مستقلين واحراراً تعرضت لضغوط قوية من اجهزة رامسفيلد بوسائل الترغيب والترهيب المختلفة. لقد رأينا في سياق القتال المنتجات الاعلامية لنظام «المرافقة».. اي مرافقة المراسلين للوحدات المقاتلة: اخبار تذاع تكذبها احداث بعد يوم او يومين، كم مرة سمعنا ان الرئيس صدام حسين قتل؟ وكم مرة سمعنا عن سقوط أم قصر والبصرة والنجف ثم نسمع لاحقا ان القوات الغازية مازالت على وضعها خارج المدينة؟ وكم مرة «اقتحمت» بغداد؟ وكم مرة سمعنا عن «آلاف» من قتلى أو اسرى فرق الحرس الجمهوري؟ عند بدء الحرب كان الخط الاعلامي السائد يتمحور حول «عملية قطع الرأس».. اي اغتيال الرئيس صدام حسين.. باعتبارها العملية التي تحسم الحرب.. في مرحلة تالية طرأ تحول على الخط الاعلامي فصار محوره التشكيك في ان الرئيس العراقي مازال على قيد الحياة، وتغير الخط الاعلامي مرة ثالثة عندما ظهر الرئيس بلحمه ودمه وسط جماهير بغداد. فأصبحت مسألة تصفية الرئيس شخصياً امراً «غير مهم» في تقرير نهاية الحرب. لكن ماذا جرى لاولئك المراسلين الذين رفضوا نظام «المرافقة» وقرروا الالتزام بالامانة المهنية الاعلامية؟ لقد قتل احدهم وفصل اثنان من عملهما. تيري لويد مراسل شبكة «اي. تي. إن» التلفزيونية البريطانية قتلته قوات المارينز كما شهد بذلك زميله في المهنة جون سمبسون.. المراسل المخضرم لتلفزيون «بي. بي. سي». واضطرت كل من شبكة «سي. ان. ان» وشبكة «فوكس نيوز» الاميركيتين للتجاوب مع ضغوط رامسفيلد الى فصل مراسلها الرئيسي. لقد خسر كل من بيتر آرنيت وجيرالدو ريفيرا عملهما غير نادمين، لان كليهما التزم بصرامة الامانة المهنية في نقل الاخبار. وهكذا تسير حرب رامسفيلد على خطين متوازيين: عدوان عسكري صريح، يسنده تضليل اعلامي.