الاربعاء 7 صفر 1424 هـ الموافق 9 ابريل 2003 خلال الايام الماضية، بدا العالم المتحضر مذهولاً ومرعوباً ومستنكراً وهو يرى فظاعات الحرب الاميركية على العراق، حيث تمزق القنابل «الذكية» والصواريخ الموجهة، «بدقة» اجساد المدنيين العراقيين وتقطع أوصالهم وتدمر منازلهم فوق رؤوسهم. وعلى نمط الشعار الذي رفعه مثقفون اميركيون في وقت سابق «ليس باسمنا»، في مواجة الحرب الاميركية على الاسلام بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ارتفعت اصوات اوروبية وعالمية كثيرة تدين عملية غزو العراق وتتبرأ منها. ومع ان المراجع الرسمية الروسية لم تكفّ يوما عن التنديد بالغزو العسكري الاميركي، مثلما فعلت ايضا اوساط سياسية وشعبية واسعة في دول اوروبية عديدة، بينها بريطانيا واسبانيا وايطاليا التي تدعم حكوماتها العدوان وتشارك فيه بأشكال مختلفة، لكن الادانة الرسمية الاقوى صدرت عن أكبر دولتين اوروبيتين: المانيا وفرنسا. ففي سلوك نادر انتقد الرئيس الالماني يوهانس راو تصريحات الرئيس الاميركي جورج بوش عندما قال في حديث متلفز «ان الرئيس بوش يرتكب سوء فهم هائلاً عندما يتحدث عن مهمة الهية تحركه لشن حرب على العراق». واضاف: «انها رسالة احادية الجانب للرئيس الاميركي، وانا لا اعتقد بأن شعبا ما يتلقى اشارة الهية لتحرير شعب اخر». وفي رد فعل مماثل، انحى المستشار الالماني السابق هيلموت كول باللائمة على «قادة الولايات المتحدة» في شأن السياسات التي يعتمدونها حاليا، مؤكدا ان «فكرة السلام الاميركي التي يجب ان ينصاع لها الجميع مرفوضة بالطبع». وقال كول، الصديق التقليدي والقديم للولايات المتحدة «ان قادة الولايات المتحدة يحلمون بحكم العالم مثل اباطرة الرومان» واضاف: «اولئك الذين يحلمون بأنهم اصبحوا روما الجديدة وان العالم سيفعل ما يريدون، هؤلاء صلتهم بالواقع مقطوعة». ولم يكن رد الفعل الرسمي الفرنسي أقل حدة، حيث قال رئيس الحكومة الفرنسية جان بيار رافاران ان «الاميركيين ارتكبوا خطأ اخلاقيا وسياسيا واستراتيجياً» واضاف مؤكداً : «هذه الحرب ليست لنا، فهي حافلة بالاخطاء والافراط في العنف». ثم كشف رافاران عن الاسباب الجوهرية للموقف الفرنسي المعارض لغزو العراق، وذلك عبر توجيه انتقادات حادة الى الاستراتيجية الاميركية التي تعتمد اسلوب الانفراد في التعاطي مع المشكلات العالمية، فأكد رفض فرنسا فكرة القطب الواحد وان في امكان دولة واحدة ان تحكم العالم». وقال «ان المواقف الفرنسية اخلاقية وهي تعكس نظرة الى عالم متعدد الاقطاب». واضاف: «نستطيع ان نقول لاصدقائنا الاميركيين بصراحة «ارتكبتم خطأ كبيراً». وفي هذا السياق شدد رئيس الحكومة الفرنسية على الدور الأوروبي، «لان اوروبا واحد من الاقطاب» مؤكداً «حاجتنا الى اوروبا اليوم اكثر من اي وقت مضى، خصوصا اوروبا سياسية قوية». .. وخطاب آخر تصالحي وهكذا.. فان هذا الخطاب المبدئي القوي الموجه الى الولايات المتحدة يعكس جوهر الخلاف الاوروبي ـ الاميركي ومواقفه الحقيقية. فهو يتعلق بالتعددية القطبية في العالم وبدور الامم المتحدة ومجلس الامن في ارساء السلم العالمي، واعطاء معنى شامل وحقيقي للشرعية الدولية وللقيم الاخلاقية والانسانية، بما يحول دون اي انفلات فردي أو هيمنة احادية او نزعات تسلطية قاتلة. الا ان الخطاب السياسي والدبلوماسي التقليدي يتخذ منحى آخر، منحى تصالحيا الى حد ما، ويكشف عن رغبة في التفاهم حول مرحلة ما بعد الحرب، وكيفية ترتيب شئون العراق والوسائل المستخدمة في ذلك، وشروط تحقيق الاستقرار، ليس في عراف، ما بعد الحرب فحسب، وانما في منطقة الشرق الاوسط برمتها. ولكن مع ذلك، يظل التباين بارزا بين نظرتي كل من الجانبين في شأن هذه المسألة بالذات، ما يقلل من احتمال تفاهمهما، سواء حول الجانب المبدئي من الخلاف، أو حول الجانب المصلحي الآني الذي يخضع لقاعدة المساومات التقليدية، حيث يكون التنازل اقل كلفة والخسائر من النوع المادي الذي يسهل تقدير حجمه ومعالجته بوسائل موازية. وعلى هذا فقد سمعنا تصريحات لرئيس الحكومة الفرنسية يتمنى فيها ان تنتهي الحرب بسرعة و«ان تحقق الولايات انتصارا على ديكتاتورية الرئيس صدام حسين». كذلك سمعنا كلاماً مشابهاً صدر عن المستشار الالماني غيرهارد شرويدر وعن وزير خارجيته يوشكا فيشر، حيث اعرب الاول عن امله في انتهاء الحرب بسرعة لتقليل عدد الضحايا وان «يتم التغلب على الديكتاتورية في العراق»، بينما تمنى الثاني «سقوط النظام في العراق بأسرع وقت ممكن» كذلك عبر وزير الدفاع الالماني بيتر شتروك عن امنيات مماثلة، ثم ابدى تفاؤله «باستعادة العلاقات الجيدة والطبيعية مع الاميركيين بعد ان تنتهي الحرب ويحققوا فيها انتصارا، لكنه دعا في الوقت ذاته الى «وضع هذا البلد تحت ادارة الامم المتحدة». وفي موسكو بدا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شديد الوضوح في التعبير عن موقفه بقوله: «ان روسيا ليس لها مصلحة في الحاق هزيمة سياسية أو معنوية بالولايات المتحدة، وذلك لاعتبارات سياسية واقتصادية». ومن خلال عرض تفصيلي قدمه الرئيس بوتين اوضح ان اي انهيار اقتصادي يحدث في الولايات المتحدة ينعكس مباشرة على روسيا، وذلك نظراً لحجم التبادل التجاري بين البلدين (عشرة مليارات دولار)، ولان رصيد الاحتياط الروسي من العملات الصعبة يبلغ حاليا اكثر من 55 مليار دولار. ولم يكتف الرئيس الروسي بهذا القدر من ابداء الرغبة في التقارب مع الولايات المتحدة، بل انه تعهد ببذل محاولة مع البرلمان الروسي لابرام معاهدة خفض الاسلحة الهجومية الاستراتيجية مع واشنطن بعدها كان العديد من النواب الروس ابدوا رفضهم لتصديقها احتجاجا على الحرب الاميركية ضد العراق. واقعية .. ولكن! يتبين من كل ذلك ان الدول المذكورة تتصرف الآن على اساس الحد من اضرار الحرب الاميركية بعدما عجزت عن منع وقوعها. واذا كان البعض يعتبر ذلك نوعا من الخضوع للأمر الواقع، وهو ما كانت الادارة الاميركية تراهن عليه من خلال تأكيداتها المستمرة بأن الآخرين سيجدون انفسهم خلفها او الى جانبها في نهاية الامر، الا ان الاطراف المعنية، وهي الاتحاد الاوروبي وروسيا خصوصا، ترمي في توجهاتها الايجابية المعلنة واقعية سياسية هدفها تجنب الاسوأ فيما تنوي الولايات المتحدة الانفراد بتنفيذه فيما يتعلق بمستقبل العراق خصوصا ومستقبل منطقة الخليج عموما، حيث تختزن هذه المنطقة القسم الأكبر من الاحتياطي النفطي في العالم. بيد أن الكلام النظري شيء والسلوك الفعلي شيء آخر، فالمراقبون يرون ان المواقف السياسية الايجابية التي تعبر عنها دول ما يسمى «معسكر السلام»، تحت شعار «الواقعية السياسية» انما هي وحيدة الجانب، ذلك ان الولايات المتحدة تواصل تنفيذ خططها، المعدّة سلفا، من دون أي تغيير، ومن دون أن تأخذ في الاعتبار لا رغبات الاخرين ولا مصالحهم. وقد كشفت المحادثات التي جرت في بروكسل مع وزير الخارجية الاميركي كولن باول، في اطار المجلس الوزاري لحلف شمال الاطلسي، ان الادارة الاميركية تقبل تعاون الاتحاد الاوروبي وروسيا في امرين رئيسيين بالنسبة لها: اعادة اعمار العراق، وامكانية ايلاء دور ما ـ امني على الارجح ـ لحلف الاطلسي في هذا البلد في مرحلة ما بعد الحرب، على غرار ما حدث في يوغسلافيا، ولكن في الوقت الذي تجده ادارة بوش مناسبا. ومن خلال وجهات النظر المعروفة، بدا ان الجانبين يتكلمان لغتين مختلفتين، لا رابط بينهما. ففي حين تصر فرنسا والمانيا وروسيا، بالاضافة الى دول أوروبية عدة، على ان تتولى الامم المتحدة وحدها مسئولية ادارة شئون العراق، في مرحلة ما بعد الحرب والى ان تتوفر له حكومة عراقية مركزية ذات قاعدة وطنية موحدة، ترفض الادارة الاميركية اعطاء اي دور للامم المتحدة، باستثناء ما يمكن ان تكلفها هي به من مهمات انسانية محددة. وحتى بعض الاشارات الايجابية التي صدرت عن الوزير باول تبددت لاحقاً، بعد ما حسمت الادارة الاميركية موقفها في صورة نهائية، وذلك بالتأكيد على حصر مهمة ادارة العراق ب«مكتب التعمير والمعونات الانسانية» التابع لوزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون) برئاسة الجنرال المتقاعد جين غارنر. وثمة احاديث متداولة في واشنطن تشير الى ان اي مشاركة عراقية في الادارة المدنية لن تكون ممكنة قبل مرور ستة اشهر على الاقل، اي بعد ان تستقر الامور الامنية في صورة كاملة في اعقاب التغيير الذي تعد له ادارة بوش بالاعتماد على صقور البنتاغون بصورة رئيسية. تساؤلات كثيرة وفضلاً عن ان هذا التوجه الانفرادي ـ كما كان الحال في شأن قرار الحرب ـ يغيب اي دور للأمم المتحدة في المرحلة المقبلة، فإنه يطرح تساؤلات كثيرة حول عدد من القضايا المرتبطة بأوضاع عراق ما بعد الحرب. ومن هذه التساؤلات والقضايا: 1- ما هو الوضع الدستوري للعراق في المستقبل؟ 2- ما هو موقف اطراف المعارضة العراقية، لاسيما الفصائل التي ترفض التعاون مع اي ادارة عسكرية اميركية للعراق؟ 3- ما هو موقف دول الجوار، خصوصاً ايران وسوريا اللتين تضعان تحفظات مماثلة على استبعاد القوى الوطنية العراقية من ادارة البلاد في المستقبل القريب او البعيد؟ 4- كيف ستتصرف الامم المتحدة حيال مسألة استبعادها عن القيام بأي دور في الشأن العراقي؟ 5- كيف ستتم عملية اعادة اعمار العراق: من يقررها، ومن يتحمل نفقاتها؟ 6- الى متى يستمر الاحتلال الاميركي ـ البريطاني للعراق؟ 7- كيف سيكون موقف مجلس الامن الدولي وهو يواجه هذا الوضع غير الشرعي في بلد يتمتع بعضوية الامم المتحدة وبحمايتها المعنوية، وهل سيظل صامتاً؟ 8- كيف سيتم التصرف بثروة العراق النفطية خلال فترة الاحتلال الاجنبي، ومن سيتحمل مسئولية الاشراف على انتاج النفط وتسويقه؟ 9- ما هو مصير ديون العراق السابقة، وهل ثمة اولويات بالنسبة لتسديد الديون المستحقة؟ ومع ان هناك اسئلة عديدة اخرى يمكان ان تطرح في هذا السياق، الا ان السؤال الاهم يتعلق بموقف المجتمع الدولي، لا سيما دول العالم الكبرى، اذا اصرّت الولايات المتحدة على اعتبار العراق «غنيمة حرب» ومن حقها السيطرة عليه واستغلال ثرواته كما يحلو لها. ومثل هذا الاحتمال يصبح امراً حقيقياً عندما تتحدث مستشارة الرئيس الاميركي للأمن القومي كوندوليزا رايس عن «الجنود الاميركيين والبريطانيين الذي وهبوا حياتهم ودماءهم لتحرير العراق». وكأن ذلك يبرر للولايات المتحدة ان تقبض نقداً ومصالح اقتصادية هائلة ثمن حربها غير الشرعية.. وثمن دماء جنودها. اما دماء العراقيين وارزاقهم ومستقبل وطنهم فلا قيمة لها. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا