الثلاثاء 6 صفر 1424 هـ الموافق 8 ابريل 2003 لم يكن في أحلام يقظتي حتى أن أصبح مراسلا حربيا قبل عام سبعة وستين من القرن الماضي، نعم.. كنت أقرأ تاريخ الحروب القديمة والحديثة، ضمن قراءاتي العديدة في شتى فروع المعرفة، قرأت ما كتبه أديبان عظيمان أحببتهما. أندريه مالرو الفرنسي، وارنست همنغواي الأميركي. لم أقرأ أعمالهما المباشرة عن الحروب التي شهداها. لكنني قرأت نتاجهما الأدبي الذي كان نتيجة لما عرفاه في الواقع، مالرو لم يكن مراسلا حربيا فقط، انما كان مشاركا في الحرب الأهلية الاسبانية التي بدأت عام 1936 في اسبانيا وانتهت بانتصار الفاشية، كتب مالرو رواية «الأمل» من خلال الحرب الأهلية الاسبانية، خلال مشاركته مع القوات الجمهورية كطيار وقع في الأسر وحكم عليه بالاعدام، يصف المشهد في الأول، في وصف نادر لاحاسيس ماقبل الموت، وصف لا يمكن لأديب أن يبدعه الا اذا مر بالتجربة، باللحظة، بالموقف نفسه، فيما بعد شارك مالرو في حرب الهند الصينية وكتب من خلال تجربته روايته «قدر الإنسان» الروايتان ترجمهما الى العربية في الستينيات المرحوم فؤاد كامل، ونشرتا في القاهرة، ارنست همنغواي كان أيضا في الحرب الأهلية الاسبانية، كان مع القوات الجمهورية المحاربة ضد الفاشية، لكنه كان مراسلا حربيا محترفا، أي جاء الى الجبهات التي شارك في حروبها كمراسل حربي محترف، وان كانت تحركه دوافع مشابهة للدوافع التي حركت اندريه مالرو، مواجهة، الخطر، مناصرة الحرية، كانا ينتميان الى جيل واحد، وموقف مقارب، كتب همنغواي أعمالا رائعة من خلال تجربته كمراسل حرب، و«داعا للسلاح» من خلال تغطية للحرب العالمية الأولى، ولمن «تقرع الأجراس» من خلال الحرب الأهلية الاسبانية، كما غطى الحرب العالمية الثانية، لعلهما بالاضافة الى روائي روسي لم يحقق شهرتهما وهو قسطنطين سيمونوف، من أشهر المراسلين الحربيين في القرن الماضي، قرأت أعمالهما، وأعجبت بها، ولكنني لم أفكر في أنني سأصير يوما مراسلا حربيا، الى أن وقعت هزيمة يونيو. عندما وقعت الهزيمة، كنت خارجا من المعتقل السياسي منذ شهرين ونصف مع مجموعة من أبرز المثقفين المصريين الذين شكلوا فيما بعد مايعرف بجيل الستينيات، وعندما بدأت الحرب صباح الاثنين الخامس من يونيو، كنت أعمل في خان الخليلي، المنطقة العتيقة، العريقة من القاهرة القديمة كنت سكرتيرا للجمعية التعاونية التي تمد أعضاءها بالمواد الخام الثمينة وتسوق انتاجهم، كنت اتعامل مع فنانين، وحرفيين، وقد امضيت عامين في هذا الموقع الذي نقلت اليه بعد خروجي من المعتقل، بدلا من عملي كفني على وحدات السجاد في ريف مصر والذي كان يقتضي اسفارا عديدة خارج العاصمة. ويبدو أن اسفاري تلك كانت مزعجة للأمن في ذلك الوقت فنصحوا ادارة المؤسسة بتكليفي عملا ثابتا، هذا تفسيري. غير أن تفرغي للعمل في الجمعية وفي منطقة خان الخليلي كان من أثرى التجارب التي مررت بها في حياتي. وحتى الآن لم تثمر الا بعض القصص القصيرة، دائما ثمة مشروع مؤجل عن هذه الحقبة. الاثنين صباحا اذيع أول بيان عن الحرب. وكان عن هجوم اسرائيلي جدي واسع النطاق، في هذا الوقت الحرج اتذكر جيدا المشاعر العارمة التي اجتاحتني وتتلخص في الرغبة لعمل شيء ما، أن أتطوع، أن أتبرع بالدم، أن أكون قريبا من بؤرة الأحداث، لم تكن الحرب مفاجأة، فمنذ منتصف مايو كانت نذرها تتأكد يوما بعد يوم، خاصة بعد تحريك القوات المسلحة المصرية الى سيناء، ومنع مرور السفن الاسرائيلية في مضيق العقبة، اجراءات اتخذها عبدالناصر ردا على ماتردد عن حشود اسرائيلية على الجبهة السورية، وثبت فيما بعد ان تلك الحشود لم يكن لها أثر! في الأيام السابقة على الاثنين، يوم اندلاع الحرب، كانت مصر تشهد جوا من التعبئة، كان الحماس عارما، والشعب كله متأهب لخوض الحرب، في هذه الأيام كتبت أول قصة عن الحرب. كتبتها بدون أن أعرف الحرب، قرأت خبرا عن أسر العدو الاسرائيلي لدورية استطلاع مصرية على الحدود، كان ذلك قبل نشوب الحرب بأسبوع تقريبا، ومن خلال خبرتي بالسجن خاصة الانفرادي، والتعرض لضغوط التحقيق كتبت قصة قصيرة بعنوان «الدورية» تخيلت قائدها وهو يتعرض لمحاولات استجوابه، ويصمد في مواجهة الضغوط عليه، نشرت في جريدة المساء، في صفحتها الثقافية التي كان يشرف عليها الراحل المرحوم عبدالفتاح الجمل، هذه الصفحة ظهرت بشكل يومي بعد الحرب ولواح الهزيمة، ولعبت دورا مهما في مقاومة الهزيمة الروحية، كان شعارها «في المعركة»، ثم اصبح «في معركة البناء»، ثم اختفت. كثيرا ما انشغل بتجارب معينة قبل مروري بها، وكان السجن والحرب منهما، قبل اعتقالي كتبت ثلاث قصص محورها المعتقل، الأولى بعنوان «القلعة» نشرت في مجلة «الأديب» اللبنانية، عام 1964. وقصة «رسالة فتاة من الشمال» نشرت في مجلة «الآداب» في نفس العام، كان الاعتقال ايضا محور قصة اخرى بعنوان «احواش المدينة»، أحيانا يكون الانشغال بموضوع ما مشابه لمعايشته، عندما ولجت بقدمي معتقل طره السياسي. لم تكن خطواتي غريبة علي لطول ما توقعتها، ثمة مثل شعبي مصري له أصول عربية يقول. «وقوع البلاء ولا انتظاره» الأمر نفسه ينطبق على الحرب. بعد اعلان عبدالناصر عن الهزيمة وتحمله المسئولية وتنحيه، ثم خروج الشعب في مصر رافضا التنحي، في أول خطوة هائلة لرفض الهزيمة والتصدي لها. بدأ الاعداد لتجاوز المحنة، خلال العام التالي، كتبت سلسلة من المقالات في جريدة المساء، استعرض خلالها مؤلفات عن الحرب، وخاصة الحروب الشعبية وحروب العصابات، لقد عبرت عن مشاعري تلك الأيام، خاصة أيام المحنة في قصة قصيرة نشرتها في جريدة المساء، عنوانها «أوراق شاب عاش منذ ألفي عام» تخيلت فيها أن ألف عام مضت على ايام يونيو 1967 الصعبة، أي أصبحنا في عام 2967، فيها اكتشف علماء الاثار قصاصات دونها شاب بدا من وجهة نظرهم انه عاش أياماً صعبة مرّ بها وطنه، وأوراق من مذكرات، وقصاصات منتزعة من صحف، وأشعار وشعارات. ويشير العلماء الى وجود دولة قامت في هذا الوقت اسمها اسرائيل ويبدو أنها سببت مشاكل لمصر. الفقرة الاخيرة في القصة يصف لقاء جرى بين هذا الشاب المجهول وشاب فلسطيني اسمه «مازن»، يقول فيه مازن انه لا فائدة ولا حل الا بالذهاب الى الجبهة. هكذا تنتهي الأوراق فجأة. ومازن هذا شخصية حقيقية، التقيت به مرة واحدة، كان ذلك يوم السبت الحادي عشر من يونيو بعد عدول الرئيس الراحل جمال عبدالناصر عن التنحي، كان فلسطينيا، في العشرينيات، طويل القامة، قوي البنية، اسمه مازن أبوغزالة، كان صوته مبحوحا لأنه أمضى يومين في الشوارع يهتف مطالبا عبدالناصر ألا ينتحى، لقد حقق مازن ماتحدث به، واختفى من القاهرة، ليظهر اسمه في الصفحة الأولى من الاهرام. ورد في بيان لحركة فتح عن عملية فدائية في مرتفعات طوباس، كانت بيانات المقاومة تنشر في الصفحات الأولى ذلك الوقت، وكان الاهتمام بها كبيرا على مختلف المستويات، قرن مازن بين الفعل والقول، من يذكره الآن؟ لا أدري، لكن هل يمكنني القول انني سلكت طريقه مع اختلاف الظروف؟ ربما.. بعد صدور كتابي «أوراق شاب عاش منذ ألف عام» مجموعتي القصصية الأولى، أحدث ظهورها ردود فعل ايجابية.. كان للنقد الأدبي مصداقية عميقة في ذلك الوقت، في جريدة «الأخبار»، كتب الأستاذ محمود أمين العالم مقالا عن المجموعة في يوميات الأخبار، ولم أكن قد التقيت به حتى تلك اللحظة، أول مرة عرفت فيها اسمه، بداية الستينيات، عندما عثرت في سور الأزبكية على ديوان شعر للدكتور محمد مصطفى بدوي، أستاذ الأدب العربي بجامعة اكسفورد، وعلى صفحته الداخلية اهداء الى المفكر والإنسان محمود أمين العالم، سألت أحد الأصدقاء الأكبر سنا فقال أنه ناقد معروف، ثم أضاف هامسا: انه ماركسي وفي المعتقل الآن. مضيت الى دار أخبار اليوم في شارع الصحافة، ولا أذكر أنني ترددت عليها كثيرا من قبل، ربما مرتين أو ثلاث للقاء صديق كان يعمل بها محررا في ذلك الوقت، كان الأستاذ محمود أمين العالم يشغل مكتب المرحوم مصطفى أمين في الطابق التاسع، بدا لطيفا ودودا. وخلال الحوار الذي كان كل منا يستكشف الآخر سألني عما اذا كنت أرغب العمل في الصحافة، أخبرني بمقالاتي التي اكتبها في جريدة المساء، أبديت ترحيبا، وخلال شهر انتقلت للعمل في دار أخبار اليوم معارا من مؤسسة التعاون الانتاجي في البداية، والاعارة تعني الانتقال بنفس المرتب ولمدة محددة، ألحقني الأستاذ العالم بقسم المعلومات، كان جزءا من ادارة تتبعها مكتبة الدار، والأرشيف، وأقسام التصحيح، كانا عملي في القسم ينحصر في مراجعة وتدقيق المعلومات الواردة في مقالات المحررين، كان القسم يضم زميلين. أحدهما يرأسه، واسمه حنفي سليمان، كان مثالا للشهامة والنقاء، أذكر في أول يوم عمل ما قاله لي: أنت موهوب ولن يطول بقاؤك في هذا القسم..» رحم الله حنفي سليمان، توفى شابا في حادث أليم، ولسوف أذكره بالخير دائما كواحد من أنقى ابناء هذه المهنة، الحق أنني كنت سعيدا جدا بعملي معه، لم يكن طموحي أن أصبح صحفيا لامعا، بل أنني كنت أحذر الصحافة وما تشكله من خطر على الأدب، وبالنسبة لي كان الأدب مصيرا وحياة، وكل ما مارسته من أعمال حتى الآن اعتبرها وسائل للعيش ولحماية المنطقة الحميمة في حياتي التي تخص الأدب، كان عملي في قسم المعلومات يبدأ في الرابعة بعد الظهر ويستمر حتى الثامنة أو التاسعة، اخرج بعدها الى مقهى الفيشاوي لالتقي بالأصدقاء، ونسهر أحيانا حتى مطلع الشمس، كانت أيام حافلة بالنشاط والحميمة، كانت أسهر وأنام قليلا، وأعمل بعد الظهر ساعات قليلة، وأكتب قصصا بنشاط وحيوية، كنا نناقش سبل الخروج من المحنة، وكنت جزءا من كل، من حركة كان مركزها المبدعين في الوطن الذين شحذوا طاقاتهم ليردوا اعتبار الأمة، ويضمدوا جراحها، في نفس السنة التي صدر فيها أوراق شاب عاش منذ ألف عام، صدر ديوان «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» للراحل أمل دنقل، وأصدر يوسف القعيد روايته الحداد في كتاب الطليعة، السلسلة التي بدأناها بقروشنا القليلة معا وبشجاعة صديق عزيز الأديب سمير ندا وصدرت كتابات عديدة تبحث في الشخصية المصرية، كان أهمها مشروع جمال حمدان «شخصية مصر» وبدأ الطلبة يتظاهرون ضد الأحكام المخففة التي صدرت ضد بعض قادة الهزيمة، وعلى جبهة القناة كانت وتيرة المعارك تتصاعد بانتظام، وعندما استشهد الفريق عبدالمنعم رياض خرج الشعب المصري في مشهد مهيب لم يتكرر فيما تلى ذلك الا عندما خرج ليشيع عبدالناصر، وباستشهاد الفريق عبدالمنعم رياض بدأت حرب الاستنزاف، تلك الحرب التي سيقدر لي أن أكون شاهدا عليها وقت حدوثها ومدافعا عن وقائعها في الأوقات التي تلت ذلك وانقلبت فيها الأحوال. ـ كاتب مصري